آل عمران · الآية 189

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«وَلِلَّهِ مُلْكُ»: المِلكُ يَبدَأُ من جِهتِه

تَعطفُ الواوُ جملةً اسميّة، ويَتقدّمُ فيها الخبرُ الجارُّ والمجرورُ «لله» على المبتدأِ «ملك». واللامُ تُثبِتُ الاختصاصَ والجهة، والمتقدِّمُ هو الاسمُ الظاهرُ دونَ ضمير، فيَبقى الإسنادُ صريحاً. والمِلكُ من م-ل-ك ضمٌّ يَتعلّقُ ويَحوزُ ثمّ يَكتُمُ ما اتّصلَ به في إمساك، فيَحملُ سلطاناً محيطاً بما يَدخلُ تحتَه. وترتيبُ الجملةِ نفسُه يَحمِلُ الحُكم: تُقَدِّمُ الجِهةَ ثمّ تَذكُرُ نِطاقَها، فيَستَقِرُّ الاختصاصُ في اللَّفظِ قبلَ أن يُعرَفَ مَداه.

«مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: السَّماواتُ والأرضُ داخِلُ المِلك

وأُضيفَ الملكُ إلى «السماوات» جمعاً، ثمّ عُطفت «الأرض» عليها مفردةً بالواو. والسماءُ من س-م-و حصرٌ دقيقٌ يَتَّصلُ في احتواءٍ باطن ثمّ يُفضي إلى انفتاح، فتَحملُ جهةً عُليا مرفوعةً في اللفظِ الموروث. والأرضُ من أ-ر-ض قطعٌ يَتهيّأُ ثمّ يَجري ويَستقرُّ بضغطٍ كثيف، فتَحملُ قراراً ممتدّاً. ويَدخلُ الجمعُ المرفوعُ والمفردُ المستقرُّ معاً في إضافةٍ واحدة، فيَمتدُّ ملكُ اللهِ من جهاتِ العلوِّ إلى قرارِ الأرض.

«وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ»: التكرارُ يَفتحُ إسناداً جديداً شاملاً

وبعدَ تمامِ الجملةِ الأُولى تَعطفُ الواوُ اسمَ اللهِ ظاهراً مرّةً أُخرى، فيَستأنفُ الإسنادَ بحضورِه. ويتعلّقُ الخبرُ بـ«على»، ثمّ تَدخلُ «كل» على «شيء» نكرةٍ مضافةٍ إليها، فيَتّسعُ التركيبُ لكلِّ ما يَصحُّ عليه اسمُ الشيء. وبهذا العمومِ يَنتقلُ الكلامُ من ملكِ السماواتِ والأرضِ إلى قدرةٍ تَعلو كلَّ شيء، فتَغدو الجملةُ الثانيةُ توسيعاً للأولى وإحكاماً لها.

«قَدِيرٌ»: الصفةُ تَختمُ العمومَ بقدرةٍ كثيفةٍ ثابتة

ويأتي «قدير» خبراً مؤخَّراً مرفوعاً، فيُتمُّ الجملة: واللهُ قديرٌ على كلِّ شيء. والقدرةُ من ق-د-ر عقدٌ في العمقِ يَحتبسُ ويَثبتُ ثمّ يَجري ممتدّاً، فتَحملُ تمكّناً محكَماً لا انفلاتَ فيه. وبناءُ «فعيل» يُكثِّفُ الصفةَ ويَجعلُها ثابتةَ الحضورِ في الإسناد، لا حادثةً عابرةً مرتبطةً بشيءٍ واحد. ويتّصلُ الختامُ ببدايةِ الآية: مَن له ملكُ السماواتِ والأرضِ هو نفسُه المسمّى قديراً على كلِّ شيء، فنِطاقُ الملكِ وعمومُ القدرةِ جهةٌ واحدة.


حَصيلة

تَبني الآيةُ جملتَين اسميّتَين مترابطتَين، تُقدّمُ الأُولى «لله» ثمّ تُضيفُ الملكَ إلى السماواتِ والأرض، فتَجمعُ المذكورَينِ تحتَ اختصاصٍ واحد، وتُعيدُ الثانيةُ اسمَ اللهِ صريحاً وتُخبرُ بقدرتِه على كلِّ شيء. ويَعملُ الجمعُ والمفردُ في اللفظِ عملاً واحداً: سِعةٌ في المملوكِ الأوّل، وثباتٌ في الثاني، ثمّ يَستوعبُ العمومُ كلَّ شيءٍ تحتَ القدرة. والحركةُ النصيّةُ أبسطُ وأشدُّ إحكاماً: اختصاصُ الملكِ بالله، ثمّ اتّساعُ مضافِه، ثمّ إعادةُ الاسمِ في صدرِ إسنادٍ جديد، ثمّ صفةُ «قدير» التي تَربطُ كلَّ شيءٍ بقدرةٍ ثابتةٍ محكَمة.