الإسراء · الآية 37

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا

«وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا»: النَّهيُ على الهَيئةِ لا على المَشي

المَشيُ لَيسَ مَنهِيّاً عنه. «مَرَحاً» مَنصوبٌ يَصِفُ هَيئةَ الماشي، فالنَّهيُ يَقَعُ على ما يُصاحِبُ الخُطوةَ لا على الخُطوةِ نَفسِها. تَنزِعُ الحالَ فيَبقى المَشيُ مُباحاً كما كان.

والمَشيُ (م ش ي) نَفاذٌ مُسترسِلٌ يَجري لَيِّناً: انتِقالٌ مُتَّصِلٌ لا طَفرَ فيه. والمَرَحُ (م ر ح) استِرسالٌ خَفيفٌ يَخرُجُ فلا يُمسَك. فبَينَ الكَلِمَتَينِ حَرفٌ واحِدٌ يَفرِقُ: المَشيُ يَستَرسِلُ ويَبقى مَحكوماً، والمَرَحُ يَستَرسِلُ ولا يُبقي على نَفسِه شَيئاً. هَيئةٌ تُنفِقُ ما لا تَملِك.

«إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ»: الحَدُّ الذي تَحتَ القَدَم

تَعودُ «الأرض» في الجُملةِ الثّانيةِ بَعدَ أن كانَت في الأولى. لكِنَّها في الأولى مَظروفٌ يُمشى فيه، وفي الثّانيةِ مَفعولٌ لا يَنفَتِح. الكَلِمةُ واحِدةٌ والمَوقِعُ مُختَلِف: أنتَ تَتَحَرَّكُ فيها، ولا تَنفُذُ منها.

والخَرقُ (خ ر ق) اختِراقٌ يَجري ثُمَّ يُطلَقُ قاطِعاً، أي نُفوذٌ يَفتَحُ المادّةَ فيَقطَعُها. وقَولُه «لَن» نَفيٌ مَمدودٌ إلى ما يَستَقبِل. والفاعِلُ في الفِعلِ أنتَ لا الأرض. فالآيةُ لا تُخبِرُ عن الأرضِ أنَّها لا تُخرَق؛ تُخبِرُ عنكَ أنَّكَ لَستَ خارِقَها. الحَدُّ مَنسوبٌ إلى الماشي، لا مَوصوفٌ في التُّراب.

«وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا»: الحَدُّ الذي فَوقَ الرَّأس

والثّاني كالأوَّلِ في تَركيبِه: «لَن» ثانِيةً، وأنتَ الفاعِلُ ثانِية، والمَبلوغُ هو الجِبال. والبُلوغُ (ب ل غ) اتِّصالٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يَنفُذُ من غَورٍ فيَظهَرُ عِندَ غايَتِه، فهو وُصولٌ إلى حَدٍّ لا مُجَرَّدُ اقتِراب.

ثُمَّ يَجيءُ «طُولاً» تَمييزاً مَنصوباً يَحصُرُ جِهةَ البُلوغ. فلَيسَ النَّفيُ نَفيَ الوُصولِ إلى الجِبالِ مَشياً؛ الجِبالُ تُبلَغُ بِالقَدَم. النَّفيُ نَفيُ مُساواتِها في الطُّول، والطُّولُ (ط و ل) امتِدادٌ مَبسوطٌ مَوصولٌ في جِهةٍ واحِدة. فالمِقياسُ قامَةٌ لا مَسافة.

فحَدّانِ إذَن: أرضٌ لا تَنفُذُ منها، وقامَةٌ لا تَبلُغُها. وبَينَهُما قامَتُكَ أنتَ. المَرَحُ هَيئةٌ تَمشي كأنَّ الأوَّلَ يَنفَتِحُ لِلقَدَمِ والثّاني يَقصُرُ عن الرَّأس، والآيةُ تُعيدُ الحَدَّينِ إلى مَوضِعِهِما فتَبقى الخُطوةُ بِقَدرِها.


حَصيلة

حالٌ واحِدةٌ مَنصوبةٌ تَحمِلُ النَّهيَ كُلَّه: «مَرَحاً». والمَشيُ باقٍ، إنَّما تُنزَعُ عنه هَيئةُ الاستِرسالِ الذي لا يُمسِكُ نَفسَه. ثُمَّ يُقامُ الماشي بَينَ حَدَّينِ يُنسَبانِ إليه هو، فالفاعِلُ في الفِعلَينِ «أنتَ»: «لَن تَخْرِقَ» و«لَن تَبْلُغَ». أسفَلُ لا يَنفَتِحُ لِقَدَمِك، وأعلى لا تَبلُغُه قامَتُك، والأرضُ تَعودُ في الجُملَتَينِ مَرَّةً مَظروفاً تَمشي فيه ومَرَّةً مَفعولاً لا تَنفُذُ منه. و«طُولاً» تَمييزٌ يَمنَعُ أن يُقرَأَ النَّفيُ نَفيَ مَسافة: الجِبالُ تُبلَغُ صُعوداً ولا تُساوى قامَة. فالخُطوةُ التي تَنسى الحَدَّينِ تُعيدُها الآيةُ إلى ما بَينَهُما، حَيثُ تَقِفُ فِعلاً.