الإسراء · الآية 38

﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا

«كُلُّ ذَٰلِكَ»: جَمعٌ يُشارُ إليه بَعدَ أن مَضى

وهذه الآيةُ يَدٌ تَجمَع، ولم تَجِئْ بِحُكمٍ جَديد. و«كُلّ» (ك ل ل) إمساكٌ مَكتومٌ يَحوز، فهي تَضُمُّ الأجزاءَ ولا تَدَعُ مِنها شَيئاً خارِجاً. و«ذلك» إشارةُ البَعيد، والبَعيدُ هُنا هو ما مَضى، أي سِلسِلةٌ من أوامِرَ ونَواهٍ ابتَدَأَت عِندَ لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ ومَرَّت بِالوالِدَينِ وذي القُربى والمالِ والقَتلِ والعَهدِ والكَيلِ والقِسطاسِ والسَّمعِ والبَصَرِ والمَشي.

فالمَقطَعُ يوضَعُ أوَّلاً في كَفٍّ واحِدة، ثُمَّ يُنظَرُ إلَيه من بُعد، ولا يُشارُ إلى الشَّيءِ بِإشارةِ البُعدِ إلّا وقد تَمّ، والآيةُ تُغلِقُ القائِمةَ قَبلَ أن تَحكُمَ عَلَيها.

«كَانَ سَيِّئُهُ»: اسمُ «كانَ» لَيسَ «كُلَّ ذلك»

وفي هذا المَوضِعِ حَرفٌ يَحكُمُ الآيةَ كُلَّها، فقد عُدِلَ عن «كُلُّ ذلك كانَ مَكروهاً» إلى «كانَ سَيِّئُهُ»، فاسمُ «كانَ» هو «سَيِّئُهُ»، والهاءُ تَعودُ على «كُلِّ ذلك»، فالمَحكومُ عَلَيه بَعضٌ مُضافٌ إلى الجُملة، لا الجُملةُ نَفسُها.

وهذا يَستَقيمُ مَعَ ما جُمِع، ففي القائِمةِ إحسانٌ إلى الوالِدَين، وإيتاءُ ذي القُربى، وإيفاءُ الكَيل، ووَزنٌ بِقِسطاسٍ مُستَقيم، ووَفاءٌ بِالعَهد، وهذه لا توصَفُ بِكَراهة. فالإضافةُ تَفرِزُ داخِلَ المَجموع: يُجمَعُ كُلُّه، ثُمَّ يُؤخَذُ مِنه سَيِّئُه.

و«السَّيِّئ» (س و أ) أثَرٌ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَنطَبِقُ عَلَيه ويَقطَعُ ما كانَ فيه من سَلامة، أي حالٌ تَنغَلِقُ على صاحِبِها. وصيغةُ «فَيْعِل» تُلزِمُ الوَصفَ مَوصوفَه، فالمَفروزُ هو الجانِبُ الذي هذا شَأنُه، وليسَ فِعلاً عارِضاً، وهذا الحَرفُ الواحِدُ يَمنَعُ أن يُقرَأَ الأمرُ والنَّهيُ بِميزانٍ واحِد.

«عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا»: مَوضِعُ الحُكمِ وصورَتُه

و«عِندَ» (ع ن د) قَبضٌ يَحتَوي ثُمَّ يَثبُت، أي حُضورٌ مُمسَكٌ لا يُفارِق، لا بُقعةٌ تُقصَد، فالحُكمُ مَوضوعٌ حَيثُ لا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ النّاظِرين. وأوثِرَ «عِندَ رَبِّك» على «عِندَ النّاس» و«في العُرف»، بِإضافةٍ إلى المُخاطَبِ نَفسِه، فالميزانُ الذي يوزَنُ بِه فِعلُه مَنسوبٌ إلى مَن رَبّاه.

و«مَكروهاً» اسمُ مَفعول، أي مَوقوعٌ عَلَيه الكَره. والكَرهُ (ك ر ه) إمساكٌ يَجري ثُمَّ يُفرَغُ المَوضِعُ مِنه، أي دَفعٌ يُخلي المَكانَ مِمّا كانَ فيه. والوَصفُ حالُ الشَّيءِ عِندَه: مَدفوعٌ لا يُقَرُّ في مَوضِعِه، ولَيسَ الوَصفُ «مُحَرَّم» ولا «مُعاقَبٌ عَلَيه».

و«كانَ» تَجعَلُ ذلك ثابِتاً لا مُستَأنَفاً، فما فُرِزَ الآنَ لم يَصِرِ الآنَ مَدفوعاً، وإنَّما كُشِفَ أنَّه كانَ كَذلكَ وهو يُفعَل.


حَصيلة

آيةٌ تُغلِقُ القائِمةَ وتَنظُرُ إلَيها، ولا تَزيدُ فيها شَيئاً: «كُلُّ ذَٰلِكَ» ضَمٌّ لا يَدَعُ طَرَفاً خارِجاً، ثُمَّ إشارةُ بُعدٍ لا تَقَعُ إلّا على ما تَمّ. ثُمَّ يَجيءُ الفَرزُ في حَرفٍ واحِد، فاسمُ «كانَ» هو «سَيِّئُهُ» دونَ «كُلُّ ذلك»، والهاءُ تَعودُ على المَجموعِ والمَحكومُ عَلَيه بَعضٌ مِنه. يُجمَعُ الأمرُ والنَّهيُ في كَفٍّ واحِدة، ثُمَّ لا يُؤخَذُ إلّا الجانِبُ الذي يَضيقُ ويَنغَلِق، وهذا الجانِبُ يوصَفُ بِمَوقِفِه، لا بِعُقوبةٍ ولا بِتَحريم: «مَكْرُوهًا»، أي مَدفوعاً لا يُقَرُّ حَيثُ هو، و«عِندَ رَبِّكَ»، أي في حُضورٍ مُمسَكٍ ثابِتٍ لا يَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ النّاظِرين. فالقائِمةُ توزَنُ مَرَّةً واحِدة، ولا يُرفَعُ مِنها إلّا ما لا يَثبُتُ هُناك.