الإسراء · الآية 36
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَلَا تَقْفُ»: نَهيٌ عن السَّيرِ في الأثَر
لم تَقُلِ الآيةُ «لا تَقُلْ» ولا «لا تَظُنّ». قالَت «لا تَقْفُ». والقَفوُ (ق ف و) شِدّةٌ مَحبوسةٌ تَنفُذُ في مَجرىً واحِدٍ ثُمَّ تُوصَلُ بِما قَبلَها: أن تَضَعَ قَدَمَكَ حَيثُ وُضِعَت قَدَمٌ قَبلَها. ومنه «القَفا»: ما تَمشي وَراءَه ولا تَراه.
فالمَنهيُّ عنه حَرَكةٌ لا جُملة. ولذلك تَتَّسِعُ الآيةُ لِما لا يُنطَقُ بِه أصلاً: الظَّنُّ يُتَّبَعُ في الصَّمتِ كما يُتَّبَعُ في الكَلام، والقَدَمُ تَسيرُ في الأثَرِ قَبلَ أن يَنطِقَ اللِّسانُ بِشَيء. مَن نَهاكَ عن القَولِ أوقَفَ لِسانَك، ومَن نَهاكَ عن الاقتِفاءِ أوقَفَ رِجلَك.
«مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»: نَفيُ حِيازةٍ لا نَفيُ وُجود
لم يُقَلْ «ما لا يُعلَم». قيلَ «لَيسَ لَكَ». واللّامُ لامُ المِلك، والباءُ في «بِهِ» تَشُدُّ العِلمَ إلى الشَّيءِ المُعَيَّن. فالمَنفيُّ عِلمٌ مَنسوبٌ إليكَ أنتَ في هذا الشَّيءِ بِعَينِه، لا عِلمٌ في العالَم.
وهذا يَقلِبُ المِيزان: قد يَكونُ الأمرُ مَعلوماً عِندَ غَيرِك، ويَبقى اقتِفاؤُكَ إيّاهُ مَنهِيّاً عنه، لأنَّكَ لم تَحُزْه. والعِلمُ (ع ل م) قَبضٌ يَلتَحِمُ ثُمَّ يَنضَمُّ ويَلتَصِق، فهو حِيازةٌ لا سَماع. فلا يُغنيكَ أن يَكونَ لِلشَّيءِ عِلمٌ عِندَ أحَد؛ يُغنيكَ أن يَكونَ لَكَ.
«إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ»: ثَلاثةٌ تُعَدُّ بِأسمائِها
بَعدَ النَّهيِ تَجيءُ «إنّ» فتُعَلِّلُ وتُثَبِّت. وتُعَدُّ ثَلاثةٌ مُعَرَّفةٌ بِالألِفِ واللّام، كُلُّ واحِدٍ مُفرَدٌ مُستَقِلٌّ بِاسمِه: السَّمعُ، والبَصَرُ، والفُؤاد. وهي بِعَينِها أدَواتُ الاقتِفاء: أُذُنٌ تَأخُذُ الخَبَرَ الذي يَقَعُ عَلَيها، وعَينٌ تَخرُجُ إلى الأثَرِ فتَقَعُ عليه، وجَوفٌ يَحسِمُ فيَمضي أو يَقِف.
والتَّرتيبُ يُقرَأ: السَّمعُ (س م ع) مَجرىً ضَيِّقٌ يُمسِكُ ما يَنزِلُ فيه ثُمَّ يُظهِرُه من عُمق، يَقبَلُ ولا يَختار. والبَصَرُ (ب ص ر) اتِّصالٌ يَنفُذُ ويَمتَدُّ إلى مَرئِيٍّ، يَخرُجُ ويَقصِد. والفُؤادُ (ف أ د) مَوضِعٌ مَشقوقٌ مَضغوطٌ ثابِت، يُقلَبُ فيه ما دَخَلَ حتّى يَنضَج. يَدخُلُ الخَبَرُ بِالأولى، ويُلتَمَسُ الأثَرُ بِالثّانية، ويُحسَمُ السَّيرُ بِالثّالِثة.
«كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا»: إشارةُ العُقَلاءِ تَقَعُ على غَيرِهِم
هُنا مَوضِعٌ لا يُمَرُّ عَلَيه. «أُولَٰئِكَ» إشارةٌ مَوضوعةٌ لِجَماعةِ مَن يَعقِل، وقد وَقَعَت على سَمعٍ وبَصَرٍ وفُؤاد. فالآيةُ تُشيرُ إلى الجَوارِحِ إشارةَ مَن يُشيرُ إلى قَومٍ حاضِرينَ يُنادَونَ بِأسمائِهِم.
ثُمَّ يَجيءُ الخَبَرُ مُفرَداً: «كانَ عَنْهُ مَسئولاً». الجَمعُ يُشارُ إليه إشارةَ العُقَلاء، ثُمَّ يُؤخَذُ واحِداً واحِداً. فلا تُسألُ الحَواسُّ جُملةً فتَتَوَزَّعَ التَّبِعةُ بَينَها، بل يُوقَفُ كُلُّ واحِدٍ على حِدَة. والسُّؤالُ (س أ ل) نَفاذٌ يَخرُجُ مُطلَقاً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَن عِندَه الجَواب؛ و«عَنه» تَجعَلُ كُلَّ واحِدٍ مَوضوعَ الطَّلَبِ لا شاهِداً عليه.
حَصيلة
نَهيٌ عن حَرَكةٍ لا عن عِبارة: «لا تَقْفُ» تُوقِفُ القَدَمَ في الأثَر، فيَدخُلُ تَحتَها الظَّنُّ المَسكوتُ عنه كما يَدخُلُ المَنطوق. وحَدُّ المَنعِ مَرسومٌ بِلامِ المِلك: «لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، فالمَدارُ على ما حُزتَه أنتَ في هذا الشَّيءِ بِعَينِه لا على ما يُعلَمُ في الجُملة. ثُمَّ تُسَمّى الأدَواتُ الثَّلاثُ التي بِها يُقتَفى الأثَر: سَمعٌ يَقبَلُ ما يَقَعُ عَلَيه، وبَصَرٌ يَخرُجُ إلى ما يَقصِدُه، وفُؤادٌ يَحسِمُ فيَمضي أو يَقِف. وتُشارُ الثَّلاثُ بِـ«أُولَٰئِكَ»، إشارةِ مَن يَعقِل، ثُمَّ يُقالُ «كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» مُفرَداً. فالجارِحةُ التي حَمَلَتْكَ في الأثَرِ تَقِفُ وَحدَها حَيثُ يوقَفُ مَن يُجيبُ عن نَفسِه.