طه · الآية 107

﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا

«لَّا تَرَىٰ فِيهَا»: النَّفيُ واقِعٌ على الرُّؤية

الفِعلُ مُسنَدٌ إلى المُخاطَبِ المُفرَد. وُضِعَ النّاظِرُ على المَوضِعِ أوَّلاً، ثُمَّ نُفِيَ عنه ما يَقَعُ عَلَيه بَصَرُه.

ولم يُقَلْ «لا عِوَجَ فيها». قيلَ «لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا». فالمَنفِيُّ إدراكُ الرّائي، والآيةُ تُخبِرُ عمّا لا يَبلُغُه نَظَر.

و«رَأى» من ر-أ-ي: مَسٌّ خَفيفٌ يَنبَثِقُ عنه إدراكٌ يَمتَدُّ ويَسري. فالرُّؤيةُ إدراكٌ يَقَعُ بِلا مُماسَّةٍ ثَقيلة، وأدَقُّ ما يُدرَكُ بِها ما نَتَأَ أو مالَ عن السَّمت.

وهذا يُقرَأُ ولا يُزادُ عَلَيه. قيلَ لَكَ ما لا تَراه، ولم يُقَلْ لَكَ كَيفَ صارَ كذلك.

«عِوَجًا»: مَيلٌ في الخَطّ

الجَذرُ ع-و-ج امتِدادٌ يَجري ثُمَّ يَنعَقِدُ فيَنحَني انحِناءً يَظهَر. ومنه «عاجَ عن الطَّريقِ» إذا مالَ عنه، و«الأعوَج» ما فيه مَيلٌ عن الاستِقامة.

فالعِوَجُ لا يُقالُ إلّا فيما لَه امتِدادٌ يُقاسُ بِه. لا عِوَجَ في نُقطة؛ العِوَجُ في خَطٍّ يَمضي فيَميل.

وهو مَنفِيٌّ هُنا بَعدَ أن قيلَ في السَّطرِ قَبلَه إنَّ المَوضِعَ صَفصَف. أُثبِتَ الاستِواءُ بِاللَّفظِ ثُمَّ نُفِيَ ضِدُّه بِالنَّظَر.

«وَلَا أَمْتًا»: نُتوءٌ في السَّطح، ونَفيٌ ثانٍ مُستَقِلّ

أُعيدَ حَرفُ النَّفيِ: «وَلَا». ولَو حُذِفَ لَجازَ أن يُقرَأَ المَنفِيّانِ شَيئاً واحِداً. إعادَتُه تُفرِدُ كُلَّ واحِدٍ بِنَفيِه.

والجَذرُ أ-م-ت تَجَمُّعٌ مَحبوسٌ يَنقَطِعُ عِندَ حَدِّه فيَبقى نُتوءاً يَسيراً. ومنه قَولُهُم في السِّقاءِ إذا مُلِئَ حَتّى لم يَبقَ فيه استِرخاء: «ما فيه أمت»، والأمتُ من الأرضِ ما ارتَفَعَ يَسيراً وانخَفَضَ ما حَولَه.

فالمَنفِيّانِ لَيسا مُتَرادِفَين. الأوَّلُ مَيلٌ في الخَطّ، والثّاني نُتوءٌ في السَّطح. نُفِيَ الانحِناءُ ونُفِيَ الارتِفاع، وهُما جِهَتانِ لا جِهةٌ واحِدةٌ قيلَت مَرَّتَين.

واعدُدْ ما في السَّطرَين: كَلِمَتانِ تُثبِتانِ وكَلِمَتانِ تَنفِيان. «قَاعًا صَفْصَفًا» ثُمَّ «عِوَجًا وَلَا أَمْتًا». وما أُثبِتَ قيلَ خَبَراً، وما نُفِيَ عُلِّقَ بِعَينِ ناظِر.


حَصيلة

يُوضَعُ النّاظِرُ أوَّلاً ثُمَّ يُنفى عنه ما يُدرِكُه، فالمَنفِيُّ رُؤيةٌ لا وُجود: لم يُقَلْ «لا عِوَجَ فيها» بل «لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا». والرُّؤيةُ في جَذرِها إدراكٌ يَنبَثِقُ عن مَسٍّ خَفيفٍ ثُمَّ يَمتَدُّ، وأدَقُّ ما تُمسِكُ بِه ما مالَ أو نَتَأ. ثُمَّ يُذكَرُ المَنفِيّانِ فيَتَبَيَّنُ أنَّهُما جِهَتانِ لا جِهةٌ واحِدة: «عِوَجًا» في جَذرِه امتِدادٌ يَنعَقِدُ فيَنحَني، ولا يُقالُ إلّا فيما لَه خَطٌّ يُقاسُ بِه؛ و«أَمْتًا» في جَذرِه تَجَمُّعٌ مَحبوسٌ يَنقَطِعُ عِندَ حَدِّه فيَبقى نُتوءاً يَسيراً، ومنه قَولُهُم في السِّقاءِ المُمتَلِئِ «ما فيه أمت». فَمَيلٌ في الخَطّ ونُتوءٌ في السَّطح. وأُعيدَ حَرفُ النَّفيِ قَبلَ الثّاني فأُفرِدَ كُلٌّ بِنَفيِه ولم يُجعَلا واحِداً. فَصارَ في السَّطرَينِ أربَعُ كَلِمات: اثنَتانِ أثبَتَتا هَيئةً واثنَتانِ نَفَتا ما يُخالِفُها، وما أُثبِتَ قيلَ خَبَراً وما نُفِيَ عُلِّقَ بِعَينٍ تَنظُر.