طه · الآية 108

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا

«يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ»: مَتبوعٌ يُسمَعُ ولا يُرى

«يَتَّبِعُونَ» على افتَعَلَ من ت-ب-ع، وأصلُه إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، فالتّابِعُ يَلحَقُ ما أفلَتَ مِنه ثُمَّ يَلصَقُ بِه.

و«الدَّاعِيَ» اسمُ فاعِلٍ مُعَرَّفٌ بِلا تَعيين، فلا يُسَمّى ولا يوصَفُ ولا يُذكَرُ من أينَ يَدعو، وإنَّما عُرِّفَ بِفِعلِه وَحدَه.

ومادّةُ د-ع-و دَفعٌ نافِذٌ يَمتَدُّ فيَصِلُ إلى غَيرِه فيَربِطُه بِه، فالدّاعي يَدفَعُ صَوتَه فيَبلُغُ فيَشُدُّ مَن بَلَغَه، والذي في الجَذرِ صَوتٌ يَربِط، دونَ يَدٍ تُمسِك.

ويُقرَأُ هذا مَعَ الآيةِ قَبلَه: لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا﴾، ولا نُتوء، فلم يَبقَ في المَوضِعِ عَلَمٌ تَهتَدي بِه العَين، والمَتبوعُ صَوتٌ، لا أثَرٌ في أرض.

«لَا عِوَجَ لَهُ»: الكَلِمةُ تُنقَلُ من الأرضِ إلى الدّاعي

وهي كَلِمةُ الآيةِ السّابِقةِ بِحَرَكَتِها: «عِوَج» هُناكَ و«عِوَج» هُنا، لم يُبَدَّلْ مِنها شَيء.

والذي تَبَدَّلَ هو الحَرفُ الذي بَعدَها، فهُناكَ «فِيهَا» ظَرف، وهُنا «لَهُ» لام، وقد نُفِيَ هُناكَ أن يُرى فيه، ونُفِيَ هُنا أن يَكونَ لَه، فهو نَفيُ رُؤيةٍ ثُمَّ نَفيُ نِسبة.

والضَّميرُ أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه الدّاعي، فما سُوِّيَ في الأرضِ بِفِعلٍ يُنفى عن الصَّوتِ بِجُملةٍ اسمِيّة: الأرضُ صارَت مُستَوِية، والدّاعي لا مَيلَ لَه أصلاً.

«وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ»: ماضٍ في وَسَطِ مُضارِع

و«يَتَّبِعُونَ» مُضارِعٌ يَجري، ثُمَّ «خَشَعَتِ» ماضٍ تَمّ، فالاتِّباعُ واقِعٌ الآنَ والخُشوعُ مَفروغٌ مِنه قَبلَه، وهذا الانتِقالُ مَحَلُّ نَظَر، فلا يُسَوّى فيه بَينَ الزَّمَنَين.

والفاعِلُ «الْأَصْوَاتُ» دونَ القُلوب، فالآيةُ تُسنِدُ الفِعلَ إلى ما يُسمَع، والخاشِعُ هُنا صَوتٌ لا جَنان، ومَن نَقَلَه إلى القَلبِ نَقَلَ الفاعِلَ عن مَوضِعِه.

وأصلُ خ-ش-ع تَفريغٌ عَميقٌ مُنتَشِرٌ يَصدُرُ من الصَّميم، ومِنه «الأرضُ الخاشِعةُ»، أي الهامِدةُ التي سَكَنَ ما فيها فلم يَبقَ لَها حَرَكة، فمَعنى خُشوعِ الصَّوتِ أنَّه فَرَغَ من امتِلائِه فسَكَن.

و«لِلرَّحْمَٰنِ» اللّامُ فيه لِلاختِصاص، وهو الاسمُ الذي جاءَ في مَطلَعِ السّورة: الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، والاسمُ الذي رُدَّ إلَيه القَومُ في مَقامٍ آخَرَ مِنها: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ﴾، فالاسمُ واحِدٌ في المَواضِعِ الثَّلاثة.

«فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا»: نَفيٌ يُستَثنى منه أدنى ما يُدرَك

ثُمَّ عادَ الخِطابُ إلى المُفرَد، فقد جاءَ قَبلَ آيةٍ «لَّا تَرَىٰ»، وجاءَ هُنا «فَلَا تَسْمَعُ»، فهُما حاسَّتانِ نُفِيَتا في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين.

والفَرقُ بَينَ النَّفيَينِ أنَّ الأوَّلَ مُطلَقٌ بِلا استِثناء، إذ فيه شَيئانِ لا يُرَيان، والثّاني مَحصورٌ بِـ«إلّا»، فيُسمَعُ فيه شَيءٌ واحِدٌ وهو أدناه، فالعَينُ لم تُعطَ شَيئاً، والأُذُنُ أُعطِيَت أقَلَّ ما يُعطى.

ومَدارُ هـ-م-س على خُفوتٍ يُمسَكُ في الباطِنِ ثُمَّ يَجري دَقيقاً مُتَّصِلاً، ومِنه «الهَميسُ»، وهو صَوتُ أخفافِ الإبِلِ على الأرضِ إذا مَشَت، وهو ما لا يَكادُ يُلتَقَط.

وقد بَدَأَ الصَّوتُ في هذا المَشهَدِ مَخفوضاً: يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾، خَفضاً يَتَبادَلُه قَومٌ في دائِرَتِهِم، ويَنتَهي هُنا إلى أنَّ ذلك الأدنى هو كُلُّ ما يُسمَعُ في المَوضِع، فما كانَ سِرّاً في جَماعةٍ صارَ هو الصَّوتَ الوَحيدَ في المَكان.


حَصيلة

على أرضٍ لا يُرى فيها مَيلٌ ولا نُتوءٌ لا يَبقى لِلعَينِ عَلَمٌ تَهتَدي بِه، فيَكونُ المَتبوعُ صَوتاً: «الدَّاعِيَ» مُعَرَّفاً بِفِعلِه وَحدَه، بِلا اسمٍ ولا وَصف، وجَذرُه دَفعٌ يَمتَدُّ فيَصِلُ فيَربِط، والاتِّباعُ في جَذرِه إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق. ثُمَّ تُنقَلُ كَلِمةُ الآيةِ السّابِقةِ بِحَرَكَتِها من الأرضِ إلى الدّاعي، ويَتَبَدَّلُ ما بَعدَها وَحدَه، فـ«فِيهَا» صارَت «لَهُ»، ونَفيُ الرُّؤيةِ صارَ نَفيَ النِّسبة. ثُمَّ يَنقَلِبُ الزَّمَنُ من مُضارِعٍ يَجري إلى ماضٍ تَمّ، والفاعِلُ «الْأَصْوَاتُ» لا القُلوب، فالخاشِعُ ما يُسمَع، وجَذرُ الخُشوعِ تَفريغٌ عَميقٌ يَصدُرُ من الصَّميم، ومِنه الأرضُ الهامِدةُ التي سَكَنَ ما فيها. واللّامُ في «لِلرَّحْمَٰنِ» لِلاختِصاص، والاسمُ هو الذي جاءَ في مَطلَعِ السّورةِ نَفسِها. ثُمَّ يُنفى السَّمعُ كما نُفِيَ البَصَرُ قَبلَ آية، غَيرَ أنَّ الأوَّلَ نَفيٌ بِلا استِثناء، والثّاني نَفيٌ يُستَثنى مِنه أدنى ما يُدرَك، فخَرَجَتِ العَينُ بِلا شَيء، وخَرَجَتِ الأُذُنُ بِأخَفِّ ما يُسمَع، وهو الصَّوتُ الذي بَدَأَ مَخفوضاً بَينَ قَومٍ فصارَ الصَّوتَ الوَحيدَ في المَوضِعِ كُلِّه.