المطففين · الآية 33

﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ

«وَمَا أُرْسِلُوا»: تَوكيلٌ يُنفى بِالمَبنيِّ لِلمَجهول

وتَخرُجُ الآيةُ هُنا من المَشهَدِ وتَتَكَلَّم، فبَعدَ أربَعِ آياتٍ تَحكي ما كانوا يَفعَلونَ تَجيءُ هذه فتَقولُ ما لم يَكونوه. والواوُ تَفتَحُ حالاً تَقَعُ على كُلِّ ما سَبَق، أي أنَّ ذلك كُلَّه يَجري وهُم غَيرُ مُوَكَّلينَ بِشَيء.

و«أُرسِلوا» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، ولم يُذكَرِ المُرسِلُ لِأنَّ الإرسالَ مَنفِيٌّ من أصلِه، فما وَقَعَ إرسالٌ حتّى يُسأَلَ عن صاحِبِه، والذي يَنفي التَّوكيلَ هو الذي يَملِكُ أن يُوَكِّل.

وأصلُ ر-س-ل جَريانٌ مُنسابٌ يَتَعَلَّقُ بِغايَتِه، ومِنه «أرسَلَ» إذا أطلَقَ الشَّيءَ يَجري، فالمُرسَلُ مُطلَقٌ من مَصدَرٍ إلى غاية، لا يَقِفُ في الطَّريقِ ولا يُقَيِّدُ ما حَمَلَه بِنَفسِه، وهؤُلاءِ وَقَفوا في الطَّريقِ وقَضَوا، ومَن لم يُطلَقْ من مَصدَرٍ لا يَبلُغُ غايةً غَيرَ نَفسِه.

«عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ»: الوَظيفةُ قائِمةٌ وأهلُها غَيرُهُم

وفي الآيةِ حَرفٌ ووَصف: «عَلَيهِم» ثُمَّ «حافِظين»، وهُما بِعَينِهِما في السّورةِ التي قَبلَ هذه: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾، فهُناكَ إثباتٌ بِـ«إنَّ» ولامٍ على المُخاطَبين، وهُنا نَفيٌ بِـ«ما» عن هؤُلاء، والمَبنى واحِدٌ والجِهةُ مَعكوسة.

فالوَظيفةُ قائِمةٌ لا مَرفوعة، والمَنفِيُّ أن يَكونوا هُم أهلَها، ولا تَرفَعُ الآيةُ الحِفظَ عن أحَد، وإنَّما تَنقُلُ مَوضِعَه: ثَمَّ حافِظون، وهؤُلاءِ لَيسوا مِنهُم. وقد تَقَدَّمَ حَرفُ «على» في صَدرِ السّورةِ مَوصولاً بِالكَيلِ في الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، وعادَ هُنا مَوصولاً بِحِفظٍ يُنفى.

و«حافِظين» من ح-ف-ظ، وهو إحاطةٌ مُتَّصِلةٌ يُطبَقُ عَلَيها فيُحجَبُ ما في داخِلِها عمّا يَنالُه، وهذا ضِدُّ ما صَنَعوه بِالتَّمام، فقد أخَذوا صورةً عابِرةً في مُرورٍ لا مُكثَ فيه، ثُمَّ أفلَتوا بِها حُكماً لازِماً. والحافِظُ يُحيطُ بِما في داخِلِه ويُطبِقُ عَلَيه، وهُم لم يُمسِكوا شَيئاً وقَضَوا في كُلِّ شَيء.


حَصيلة

تَقطَعُ الآيةُ المَشهَدَ لِتَقولَ ما لم يَكونوه، والواوُ تَجعَلُ ذلك حالاً مُصاحِبةً لِكُلِّ ما سَبَق. و«أُرسِلوا» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، فلا يُسأَلُ عن مُرسِلٍ حَيثُ لا إرسال، والنّافي هو المالِكُ لِلتَّوكيل. ومادّةُ ر-س-ل جَريانٌ مُنسابٌ يَتَعَلَّقُ بِغايَتِه، فالمُرسَلُ مُطلَقٌ من مَصدَرٍ لا يَقِفُ في الطَّريق، وهُم وَقَفوا وقَضَوا. ثُمَّ أعادَ «عَلَيهِم حافِظين» حَرفَ الاستِعلاءِ والوَصفَ مَعاً كما جاءا مُثبَتَينِ في السّورةِ قَبلَها، فانقَلَبَ الإثباتُ نَفياً والمَبنى واحِد، والوَظيفةُ باقِيةٌ والمَوقِعُ لِغَيرِهِم. وح-ف-ظ إحاطةٌ مُتَّصِلةٌ يُطبَقُ عَلَيها فيُحجَبُ ما في داخِلِها عمّا يَنالُه، وهي ضِدُّ صَنيعِهِم: صورةٌ التُقِطَت في مُرور، وحُكمٌ أُفلِتَ بِلا إحاطة.