المطففين · الآية 34

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ

«فَالْيَوْمَ»: وَقتٌ يَحُلُّ مَحَلَّ التَّوكيد

والجُملةُ التي فَتَحَت هذا المَشهَدَ تُقالُ الآنَ ثانِيةً وقد قُلِبَت، وتُقرَأُ كَلِمةً بِكَلِمة، فأوَّلُها هُناكَ حَرفُ تَوكيدٍ في إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، وأوَّلُها هُنا فاءٌ ثُمَّ ظَرفُ وَقت.

والفاءُ تُرَتِّبُ على ما قَبلَها، أي أنَّهُم لم يُرسَلوا حافِظين، فاليَومَ يَقَعُ ما يَقَع. وسَقَطَ حَرفُ التَّوكيدِ من صَدرِ الجُملةِ ولم يُستَبدَلْ بِه حَرفٌ آخَر، والخَبَرُ الأوَّلُ كانَ عن حالٍ مَضَت فاحتاجَ إلى «إنَّ»، وهذا يَقَعُ في وَقتِه فاكتَفى بِأن يُسَمّى وَقتُه.

و«اليَوم» مُعَرَّفةٌ بِالألِفِ واللّام، وي-و-م حَيِّزٌ زَمَنِيٌّ ذو طَرَفَين، أي حِصّةٌ مَحدودةٌ من المُدّة، فالضَّحِكُ الثّاني مَحدودٌ بِحَدَّينِ ومُسَمّىً بِاسمِه، والأوَّلُ لم يُذكَرْ لَه ابتِداءٌ ولا مُنتَهى، وذِكرُ الوَقتِ كافٍ لِيَسقُطَ التَّوكيد.

«الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ»: طَرَفانِ يَتَبادَلانِ مَوضِعَيهِما

كانَ «الَّذِينَ أَجْرَمُوا» صاحِبَ الفِعل، و«مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا» مادَّتَه، فصارَ «الَّذِينَ آمَنُوا» صاحِبَ الفِعل، و«مِنَ الْكُفَّارِ» مادَّتَه، وبَقِيَت «مِن» في مَوضِعِها من الجُملَتَينِ لم تَتَزَحزَح، فهُما طَرَفانِ دارا حَولَ حَرفٍ واقِف.

وأدَقُّ ما في المُقابَلةِ أنَّ أحَدَ الاسمَينِ عادَ كما كانَ والآخَرَ لم يَعُد، فـ«الَّذِينَ آمَنُوا» تَجيءُ هُنا بِحَرفِها الأوَّلِ إلى آخِرِها: مَوصولٌ وفِعل، وأمّا «الَّذِينَ أَجْرَمُوا» فلا تَعود، ويَقومُ مَقامَها اسمٌ واحِد: «الْكُفَّارِ»، فالوَصفُ الذي كانَ فِعلاً صارَ اسماً، والوَصفُ الذي كانَ فِعلاً بَقِيَ فِعلاً.

وهذا الاسمُ لَيسَ غَريباً عَمّا وُصِفوا بِه في الآياتِ الأربَعِ قَبلَه. وك-ف-ر كَتمٌ غائِرٌ يَفصِلُ ثُمَّ يَستَرسِلُ بِالحَجب، أي تَغطيةٌ مُستَمِرّةٌ لِما ظَهَر، ومِنه «كَفَرَ الفَلّاحُ البَذرةَ» إذا غَطّاها بِالتُّراب. وقد قُرِئَ فِعلُهُم غَوراً يَستُرُ إشارةً لا يَراها غَيرُ المَقصود، وحُكماً يُلقى على صورةٍ لم يُنظَرْ فيها. و«الكُفّارُ» جَمعُ كافِرٍ على فُعّال، فالاسمُ الذي يُنادَونَ بِه في هذا اليَومِ هو اسمُ ما كانوا يَصنَعون، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.

«يَضْحَكُونَ»: فِعلٌ لم يَتَحَرَّكْ، وسَنَدٌ سَقَطَ عنه

والفِعلُ نَفسُه في الجُملَتَينِ حَرفاً بِحَرف، لم يُبَدَّلْ ولم يوصَفْ ولم يُزَدْ عَلَيه، والذي اختَلَفَ مَوقِعُ الفَريقَينِ مِنه، لا هو.

غَيرَ أنَّه هُناكَ مَسبوقٌ بِـ«كانوا»، وهُنا مُجَرَّدٌ مِنها، فـ«كانوا يَضحَكون» يَضَعُ الحالَ في زَمَنٍ انقَضى ويَطلُبُ فِعلاً يَحمِلُها، و«يَضحَكون» وَحدَه قائِمٌ في وَقتِه لا يَستَنِدُ إلى شَيء، والضَّحِكُ الأوَّلُ احتاجَ إلى ما يَحمِلُه، والثّاني يَقومُ بِنَفسِه.

وض-ح-ك انفِراجٌ يَخلُصُ خارِجاً ثُمَّ يَنفَلِتُ مَقطوعاً، وهو في الجِذرِ شَقٌّ يُبدي ما وَراءَه. فالجِذرُ لم يَتَغَيَّر، وإنَّما تَغَيَّرَ الوَجهُ الذي انفَرَج، وكَلِمَتانِ وَحدَهُما لم تَتَحَرَّكا في الجُملَتَين: حَرفُ الجَرِّ والفِعل، وكُلُّ ما عَداهُما دارَ حَولَهُما.


حَصيلة

تُعادُ الجُملةُ الأُولى مَقلوبةً وتُقرَأُ كَلِمةً بِكَلِمة، فتَسقُطُ «إنَّ» ويَقومُ مَقامَها «فَالْيَوْمَ»: فاءٌ تُرَتِّبُ على نَفيِ التَّوكيلِ قَبلَها، وظَرفٌ مُعَرَّفٌ يُغني عن التَّوكيدِ لِأنَّ ما يَقَعُ في وَقتِه لا يُحلَفُ عَلَيه. وي-و-م حَيِّزٌ ذو طَرَفَين، فالضَّحِكُ الثّاني مَحدودٌ مُسَمّىً والأوَّلُ بِلا ابتِداءٍ ولا مُنتَهى. ثُمَّ يَتَبادَلُ الطَّرَفانِ مَوضِعَيهِما حَولَ «مِن» التي لم تَتَزَحزَح، فمادّةُ الضَّحِكِ صارَت صاحِبَه، وصاحِبُه صارَ مادَّتَه. وأدَقُّ ما في المُقابَلةِ أنَّ «الَّذِينَ آمَنُوا» تَعودُ بِلَفظِها مَوصولاً وفِعلاً، وأنَّ «الَّذِينَ أَجْرَمُوا» لا تَعود، ويَقومُ مَقامَها اسمٌ جَمعٌ على وَزنِ فُعّال: «الْكُفَّارِ». وك-ف-ر تَغطيةٌ مُستَمِرّةٌ لِما ظَهَر، وهو نَفسُه ما فَعَلوه في الآياتِ الأربَعِ من غَمزٍ مَستورٍ وحُكمٍ يُغَطّي على ما رَأَوه، فالاسمُ في هذا اليَومِ اسمُ الصَّنيع. أمّا «يَضْحَكُونَ» فباقٍ بِحُروفِه، وقد سَقَطَ عَنه «كانوا»، فالأوَّلُ احتاجَ إلى فِعلٍ يَحمِلُه، والثّاني قامَ بِنَفسِه.