المطففين · الآية 32

﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ

«وَإِذَا رَأَوْهُمْ»: رُؤيةٌ تَقَعُ على الصّورةِ فتَقِف

هذا ثالِثُ «إذا» وآخِرُها. وقَد تَدَرَّجَ الفِعلُ في أربَعِ آيات: ضَحِكٌ مُقيمٌ في الزَّمَن، ثُمَّ إشارةٌ خَفِيّةٌ في الطَّريق، ثُمَّ هَيئةُ تَنَعُّمٍ في البَيت، ثُمَّ قَولٌ يُرفَعُ بِه الصَّوت. بَدَأَ الأمرُ حالاً وانتَهى حُكماً.

و«رَأَوْهُم» من ر-أ-ي: جَريانٌ يَنتَهي إلى صورةٍ ساكِنة، إدراكٌ يَقَعُ على صورةِ الشَّيءِ فيُمسِكُ ظاهِرَه. رُؤيةٌ تَأخُذُ الهَيئةَ وتَقِفُ عِندَها.

ولِلعَينِ في هذه السّورةِ فِعلٌ آخَرُ يَجيءُ بَعدَ ثَلاثِ آيات: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾. ذاكَ إرسالٌ مَقصودٌ يَمتَدُّ إلى غايَتِه، وهذا وُقوعٌ على صورةٍ عابِرة. عَينانِ في سورةٍ واحِدة: واحِدةٌ تَلتَقِطُ الوَجهَ، وأُخرى تُرسِلُ ما لا يَرتَدُّ خائِباً.

«قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ»: إشارةٌ بِالقُربِ وتَوكيدٌ مُضاعَف

لا فاصِلَ بَينَ «رَأَوْهُم» و«قَالُوا». ما إن تَقَعَ الصّورةُ حتّى يَخرُجَ الحُكم. لَصِقَ القَولُ بِالنَّظرةِ فلم يَبقَ بَينَهُما وَقتٌ لِمُراجَعة.

و«قال» من ق-و-ل: صَوتٌ يُطلَقُ مَوصولاً فيَمتَدُّ إلى غَيرِ قائِلِه. فما خَرَجَ من الفَمِ يَمضي إلى سامِعِه ويَبقى في الوَقتِ نَفسِه مَعقوداً بِمَن أطلَقَه. القَولُ يُغادِرُ ولا يَنفَكّ.

ثُمَّ يُثَقَّلُ الحُكمُ بِأدَواتٍ ثَلاثٍ مَعاً: «إنَّ» في صَدرِه، واللّامُ في خَبَرِه، وبَينَهُما «هؤُلاءِ» إشارةُ القَريبِ لا البَعيد. أشاروا إلى مَن كانوا يَمُرّونَ بِه عَلى قُربٍ ولم يُسَمُّوه. فالفَريقانِ في هذه السّورةِ بِلا اسم، والمُشيرُ يَقضي على مَن لا يَملِكُ لَه اسماً.

«لَضَالُّونَ»: من صورةٍ تُرى إلى حالٍ تَلزَم

و«ضالّون» من ض-ل-ل: انضِغاطٌ يَمتَدُّ بِتَعَلُّقٍ ثُمَّ يَدومُ بِلا قَرار، حَرَكةٌ تَلتَفُّ حتّى يَتَلاشى مَوضِعُها.

ومنه «ضَلَّ الماءُ في اللَّبَن» اختَلَطَ بِه فاختَفى فيه فلا يُستَرَدّ، و«ضَلَّ الطَّريقَ» فَقَدَه. والفِعلُ يَأخُذُ الطَّريقَ مَفعولاً: المَفقودُ في الجِذرِ هو الطَّريقُ لا السّالِك. فالحُكمُ في ظاهِرِه على قَومٍ، وهو في بِنيَتِه على طَريقٍ زَعَموا أنَّه غابَ عنهم.

وجاءَ اسمَ فاعِلٍ لا فِعلاً ماضِياً: «لَضالّون». واسمُ الفاعِلِ يُثبِتُ الوَصفَ هَيئةً لازِمةً لا حَدَثاً وَقَعَ مَرّةً فمَضى. فمن صورةٍ وَقَعَت عَلَيها العَينُ إلى حالٍ لا تُفارِقُ صاحِبَها، بِخُطوةٍ واحِدةٍ لَيسَ بَينَ طَرَفَيها فاصِل. وأسرَعُ ما يَكونُ الحُكمُ حينَ لا يُنظَرُ بَعدَ الرُّؤية.


حَصيلة

يَختِمُ ثالِثُ «إذا» تَدَرُّجاً بَدَأَ حالاً وانتَهى حُكماً: ضَحِكٌ مُقيم، فإشارةٌ خَفِيّة، فهَيئةُ تَنَعُّمٍ في البَيت، فقَولٌ مُعلَن. و«رَأَوْهُم» (ر-أ-ي) إدراكٌ يَقَعُ على صورةِ الشَّيءِ فيُمسِكُ ظاهِرَه، وسَتَجيءُ في السّورةِ عَينٌ أُخرى تُرسِلُ لا تَلتَقِط. ثُمَّ لا فاصِلَ بَينَ الرُّؤيةِ والقَول، و«قال» (ق-و-ل) صَوتٌ يُطلَقُ مَوصولاً فيَمضي إلى سامِعِه ويَبقى مَعقوداً بِقائِلِه. ويُثَقَّلُ الحُكمُ بِـ«إنَّ» واللّامِ وإشارةِ القَريبِ «هؤُلاءِ»، وهُم لا يُسَمّونَ مَن يَحكُمونَ عَلَيه. و«لَضالّون» (ض-ل-ل) انضِغاطٌ يَمتَدُّ ويَدومُ بِلا قَرار، ومنه ضَلالُ الماءِ في اللَّبَنِ إذ يَختَفي فلا يُستَرَدّ، والفِعلُ يَنصِبُ الطَّريقَ مَفعولاً فالمَفقودُ هو الطَّريق. وجاءَ اسمَ فاعِلٍ فأثبَتَ الوَصفَ هَيئةً لازِمة: رُؤيةٌ واحِدةٌ تُحَوَّلُ إلى حُكمٍ لا يَنفَكّ.