الغاشية · الآية 26

﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم

«ثُمَّ»: تَرتيبٌ على مَهَلٍ بَعدَ تَمامِ الرُّجوع

«ثُمَّ» حَرفٌ يَعطِفُ مَع تَراخٍ في الرُّتبة، فيَجعَلُ ما بَعدَه مُتَأخِّراً عمّا قَبلَه لا مُلتَصِقاً به. وقَد جاءَ قَبلَ هذه الآيةِ أنَّ «إلَينا إيابَهُم»، فالرُّجوعُ مَوضِعُه أوَّلاً، ثُمَّ يَأتي ما هو مُرَتَّبٌ عليه. فليسَ المُرادُ مُجَرَّدَ تَعاقُبِ زَمَنَين، بل تَرتيبُ مَرتَبَتَين: أوَّلاً المَصيرُ إلى الجِهةِ التي لا مَصيرَ سِواها، ثُمَّ ما يَجري في تلكَ الجِهةِ من المُحاسَبة.

وهذا التَّراخي يَحمِلُ طُمَأنينةً وثِقَلاً مَعاً: لا عَجَلةَ في الأمرِ ولا إفلاتَ منه. الرُّجوعُ واقِعٌ، والحِسابُ بَعدَه واقِعٌ، وكُلٌّ في رُتبَتِه. ومَن تَأمَّلَ خِتامَ السورةِ وَجَدَ «ثُمَّ» تَفصِلُ بَينَ شَطرَينِ مُتَلازِمَين فلا يُقدَّمُ أحَدُهما على الآخَرِ في غَيرِ مَوضِعِه: يَعودونَ، ثُمَّ يُحاسَبون.

«عَلَينا»: تَبِعةٌ مَحصورةٌ في جِهةٍ واحِدة

الجِذرُ ع-ل-و يَدورُ على عُلوٍّ يَستَوي على ما تَحتَه فيَشمَلُه. و«على» منه: ظَرفٌ يُفيدُ الاستِعلاءَ ولُزومَ ما يَقَعُ على المَحمولِ علَيه. فإذا قيلَ «عَلَينا كذا» فالمَعنى أنَّه واجِبٌ لازِمٌ في هذه الجِهةِ العُليا لا يَتَعَدّاها إلى سِواها. وتَقديمُ «عَلَينا» على «حِسابَهُم» يَقصُرُ التَّبِعةَ ويَحصُرُها: لا حِسابَ إلّا من هذه الجِهة.

فالآيةُ تَرفَعُ الأمرَ كلَّه إلى مَن لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه. لا يُحاسِبُهم أحَدٌ سِواه، ولا يُنازِعُه في حِسابِهم مُنازِع. و«عَلَينا» هنا تَبِعةُ قُدرةٍ لا تَبِعةَ عَجزٍ: الذي يَستَعلي على الخَلقِ هو الذي يَلزَمُه إقامةُ العَدلِ فيهم، لأنَّه وَحدَه القادِرُ على إحصائِه.

«حِسابَهُم»: إحصاءٌ دَقيقٌ يَجمَعُ ما تَفَرَّق

الجِذرُ ح-س-ب يَدورُ على عَدٍّ يُحصي ويَضبِطُ فلا يَندُّ عنه شَيء. الحِسابُ إحصاءُ الأشياءِ بِأعدادِها، و«حَسَبَ الشَّيءَ» عَدَّه، و«الحَسيبُ» الكافي الذي يَكفي إحصاؤُه. فالحِسابُ ليسَ تَهديداً مُجَرَّداً، بل إحصاءٌ تامٌّ يَجمَعُ ما تَفَرَّقَ من العَمَلِ ويُقابِلُه بِما يَستَحِقّ.

وإضافةُ الحِسابِ إليهم «حِسابَهُم» تَجعَلُه خاصّاً بِكُلِّ واحِدٍ بِما قَدَّم، لا حِساباً عامّاً مُبهَماً. فما عَمِلوه مَحفوظٌ مَعدودٌ، يَعودونَ إليه فيُقابَلونَ به. والذي تَوَلّى الإيابَ هو الذي يَتَولّى الإحصاء، فلا يَضيعُ في الرُّجوعِ عَمَلٌ ولا يُغفَلُ في الحِسابِ مِثقالٌ.


حَصيلة

تَختِمُ السورةُ بِتَرتيبٍ مُتَراخٍ: «ثُمَّ» تَجعَلُ الحِسابَ مُرَتَّباً على الإيابِ المَذكورِ قَبلَه، رُتبةً بَعدَ رُتبةٍ لا عَجَلةَ فيها ولا إفلات. و«عَلَينا» (ع-ل-و) تَحصُرُ التَّبِعةَ في الجِهةِ العُليا وَحدَها: لا يُحاسِبُهم سِواه ولا يُنازِعُه فيهم مُنازِع، تَبِعةُ قُدرةٍ لا عَجز. و«حِسابَهُم» (ح-س-ب) إحصاءٌ تامٌّ يَجمَعُ ما تَفَرَّقَ من عَمَلِ كُلِّ واحِدٍ ويُقابِلُه بِما يَستَحِقّ. فالآيةُ تَقطَعُ القَولَ بِأنَّ الرُّجوعَ لا يُترَكُ سُدىً، بل يَعقُبُه إحصاءٌ دَقيقٌ في يَدِ مَن لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه.