الغاشية · الآية 25
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِنَّ»: تَوكيدٌ يَفتَتِحُ الخَبَر
تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنَّ»، حَرفٍ يُثَبِّتُ الخَبَرَ ويَقطَعُ فيه التَّرَدُّد. ما بَعدَه ليس احتِمالاً يُوزَنُ، بل أمرٌ مَفروغٌ منه يُلقى إلقاءَ المُحكَمِ المُبرَم. وجاءَ هذا التَّثبيتُ بَعدَ أن مَضَتِ السورةُ في وَجهَين: وُجوهٌ خاشِعةٌ عامِلةٌ ناصِبةٌ، ووُجوهٌ ناعِمةٌ راضِيةٌ في جَنّةٍ عالِية. فالتَّوكيدُ يَجمَعُ الفَريقَين تَحتَ حُكمٍ واحِدٍ لا يَستَثني أحَداً مِنهما.
والضَّميرُ «هُم» يَعودُ على هذَين الوَجهَين جَميعاً: الذي نَصِبَ والذي نَعِمَ، الذي خَشَعَ والذي رَضِيَ. لا يَنفَرِدُ فَريقٌ بِمَصيرٍ خارِجٍ عن هذا التَّثبيت، فكِلاهُما مَشمولٌ بِـ«إنَّ».
«إِلَيْنَا»: غايةٌ قُدِّمَت فأفادَتِ الحَصر
قُدِّمَتِ «إلَينا» على «إيابَهُم»، وحَقُّ الجارِّ والمَجرورِ أن يَتَأخَّرَ عن المُبتَدأ. وهذا التَّقديمُ في الكلامِ العَرَبيِّ يُفيدُ الاختِصاصَ والقَصر: إلَينا لا إلى غَيرِنا، إلَينا وَحدَنا تَنتَهي العَودة. «إلى» حَرفُ انتِهاءِ الغاية، فالعَودةُ لها مُنتَهىً واحِدٌ تَصِلُ إليه فلا تَتَجاوَزُه ولا تَنحَرِفُ عنه.
فالآيةُ لا تُخبِرُ عن عَودةٍ مُجَرَّدةٍ، بل عن عَودةٍ مَوصولةٍ بِغايَتِها وَصلاً مُحكَماً، مَقطوعِ الطَّرَفِ الآخَرِ عن كلِّ سِواها. ولِهَذا قُدِّمَتِ الغايةُ: لِيُسمَعَ الانتِهاءُ قَبلَ أن يُسمَعَ مَن يَنتَهي.
«إِيَابَهُمْ»: رُجوعٌ يَؤوبُ إلى مَبدَئِه
الجِذرُ أ-و-ب يَدورُ على رُجوعٍ يَصِلُ السائِرَ بِمَبدَئِه بَعدَ مُفارَقة. والأَوبُ العَودةُ، والمَآبُ المَرجِعُ الذي يُؤوَبُ إليه، والأَوّابُ الكَثيرُ الرُّجوعِ لا يَستَقِرُّ على مُفارَقة. فالإيابُ ليس مُجَرَّدَ انتِقالٍ من مَوضِعٍ إلى مَوضِع، بل عَودةٌ تَلتَئِمُ بِأصلٍ كانَ مِنه الابتِداء.
وما خَرَجَ من يَدٍ راجِعٌ إليها، فالإيابُ يَكشِفُ أنَّ الخُروجَ لم يَكُن انفِصالاً تامّاً، بل سَفَراً مَوصولَ الطَّرَفِ بِمُنطَلَقِه. والوَجهانِ اللَّذانِ مَضى ذِكرُهُما، على اختِلافِ ما صارا إليه، مَردودانِ إلى حَيثُ كانَ أوّلُ أمرِهِما.
حَصيلة
تُثَبِّتُ الآيةُ بِـ«إنَّ» خَبَراً لا تَرَدُّدَ فيه، تَجمَعُ تَحتَه الوَجهَين اللَّذَين مَضى وَصفُهُما: الناصِبَ والناعِم. ثُمَّ تُقَدِّمُ الغايةَ «إلَينا» فتُفيدُ الحَصرَ: لا مُنتَهى لِلعَودةِ سِواها، و«إلى» حَرفُ انتِهاءٍ تَصِلُ إليه فلا تَتَجاوَزُه. والإيابُ من أ-و-ب رُجوعٌ يَلتَئِمُ بِمَبدَئِه بَعدَ مُفارَقة، فما خَرَجَ راجِعٌ إلى حَيثُ ابتَدَأ. فالآيةُ تَقطَعُ بأنَّ كِلا الفَريقَين، مَهما تَباعَدَ مَصيرُهُما، صائِرٌ إلى غايةٍ واحِدةٍ مَوصولةٍ بِمُنطَلَقِها، يَتلوها ما بَعدَها: «ثُمَّ إنَّ عَلَينا حِسابَهُم».