الغاشية · الآية 7

﴿لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ

«لا يُسمِنُ»: طَعامٌ لا يَعقِدُ لَحماً

الجِذرُ س-م-ن يَدورُ على ما يَلِينُ ويَتَجَمَّعُ في البَدَنِ فيُكسِبُه قِواماً ودَسَماً. السَّمينُ مَن عَقَدَ اللَّحمُ على عِظامِه، والسَّمنُ ما يُستَخرَجُ مِنَ اللَّبَنِ فيَغِذو، والإسمانُ أن تُطعِمَ الشَّيءَ ما يُقَوِّيه. فالطَّعامُ في أصلِه يُرادُ به أن يَتَحَوَّلَ في الجِسمِ إلى قُوّةٍ مَخزونةٍ تَبقى. ونَفيُ الإسمانِ هنا نَفيُ هذه الغايةِ نَفسِها: مادّةٌ تُمَضَغُ وتُبتَلَعُ ولا يَعقِدُ مِنها البَدَنُ شَيئاً، فلا تَصيرُ إلى لَحمٍ ولا تَدَّخِرُ قُوّة.

فالنَّفيُ لا يَقَعُ على الأكلِ بل على ثَمَرَتِه. هُناكَ فِعلُ أكلٍ بِلا حاصِلِ أكل: حَرَكةُ الفَمِ قائِمةٌ والجَوفُ يَمتَلِئُ، ثُمَّ لا شَيءَ يُبنى. وهذا أَشَدُّ على الآكِلِ مِن مَنعِ الطَّعامِ أصلاً، إذ يُمَنّى بِصورةِ الغِذاءِ ويُحرَمُ مَعناه.

«ولا يُغني مِن جوع»: مادّةٌ لا تَسُدُّ خَلّة

الجِذرُ غ-ن-ي يَدورُ على الاكتِفاءِ الذي يَستَغني به صاحِبُه عَن سِواه. الغِنى مِلءُ الخَلّةِ حتّى لا يَبقى طَلَب، والغَنِيُّ مَن سَدَّت حاجَتُه فلا يَفتَقِرُ إلى غَيرِه، والاستِغناءُ بُلوغُ هذا الحَدّ. فأن «يُغنيَ» الطَّعامُ مِنَ الجُوعِ أن يَرفَعَ الفاقةَ ويَقطَعَ الطَّلَبَ ويَترُكَ الجائِعَ مُكتَفِياً. ونَفيُ ذلك نَفيُ الإجزاءِ كلِّه: يُؤكَلُ فلا يُسَدُّ به مَسَدّ.

وقَولُه «مِن جوع» يُعَيِّنُ الفاقةَ التي لا تُرفَع. الجِذرُ ج-و-ع يَدورُ على خَواءِ الجَوفِ وتَقَلُّصِه طَلَباً لِما يَملَؤُه. فالجوعُ حاضِرٌ قائِمٌ، والطَّعامُ مَبذولٌ مَأكول، ومَع ذلك يَبقى الجوعُ على حالِه لم يُنقَص مِنه شَيء. فاجتَمَعَ على هذا الطَّعامِ نَفيانِ: لا يَبني جِسماً ولا يَطفئُ فاقة، فهو صورةُ غِذاءٍ خالِيةٌ مِن كِلتا غايَتَيه.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ طَعاماً بِنَفيَين مُتَتابِعَين: «لا يُسمِنُ» مِن س-م-ن، فلا يَعقِدُ في البَدَنِ لَحماً ولا يَدَّخِرُ قُوّة؛ «ولا يُغني مِن جوع» مِن غ-ن-ي، فلا يَرفَعُ الفاقةَ ولا يَقطَعُ الطَّلَب. والجوعُ مِن ج-و-ع: خَواءُ الجَوفِ القائِمُ الذي يَطلُبُ ما يَملَؤُه. فالنَّفيانِ يَقَعانِ على غايَتَي الطَّعامِ كِلتَيهما: البِناءِ والإجزاء، فيَبقى فِعلُ الأكلِ قائِماً بِلا حاصِل. وهذا الطَّعامُ يَلي وَصفَ وُجوهٍ خاشِعةٍ عامِلةٍ ناصِبةٍ تُصلى ناراً، فجاءَ جَزاءً يُشبِهُ حالَها: عَمَلٌ بِلا غَناء، وأكلٌ بِلا سَمنٍ ولا شِبَع.