الفجر · الآية 18

﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ

«وَلا تَحاضُّونَ»: نَفيٌ يَقَعُ على فِعلِ التَّحاضِّ لا على مُجَرَّدِ الإطعام

النَّفيُ هنا يَقَعُ على صيغةِ «تَفاعُلٍ»، زِيادةً على أصلِ الإطعام، تَجمَعُ الجَماعةَ في حَثٍّ مُتَبادَل، فـ«تَحاضُّونَ» يَحُضُّ بَعضُكُم بَعضاً. والمَنفِيُّ هَيئةٌ غابَت عن الجَماعةِ كُلِّها، وهي أن يَدفَعَ بَعضُهُم بَعضاً إلى الحَدِّ المَطلوب، وليسَ فَرداً قَصَّرَ في طَعام. ومَدارُ ح-ض-ض على الدَّفعِ الحارِّ المُلِحِّ إلى الفِعل، فهو حَثٌّ يَضُمُّ المَحضوضَ ويَدفَعُه دَفعاً لا يَدَعُه واقِفاً.

وفي صيغةِ التَّفاعُلِ مَعنىً زائِدٌ يُسمَع، فالمَطلوبُ أن تَكونَ الجَماعةُ مَيداناً يَتَناقَلُ فيه الحَثّ، يُلِحُّ هذا على ذاك، فيَنتَشِرُ الدَّفعُ إلى الطَّعامِ فيهِم انتِشاراً، ولا يَقِفُ المَطلوبُ عِندَ أن يُطعِمَ المَرءُ وَحدَه. ونَفيُ التَّحاضِّ نَفيٌ لِهذا التَّبادُلِ نَفسِه، إذ انطَفَأَ الدَّفعُ الحارُّ بَينَهُم، فصارَ كُلٌّ في شَأنِه لا يَدفَعُ غَيرَه ولا يُدفَع.

«عَلى طَعامِ المِسكِينِ»: مَوضِعُ الحَثِّ طَعامٌ يَسُدُّ خَلَّةً

والطَّعامُ من ط-ع-م، وهو ما يُتَناوَلُ فيَنتَشِرُ في البَدَنِ فيُقيمُه، وفيه قَبضٌ من عُمقٍ يَأخُذُ المَأخوذَ فيُمسِكُ بِه الحَياة. وجاءَ مُضافاً إلى «المِسكِين»، فهو طَعامٌ مَوضِعُه سَدُّ خَلَّةِ مَن لا يَجِد، غَيرُ طَعامٍ مُطلَقٍ يُبتَغى بِه التَّنَعُّم. وكانَ الحَثُّ المَنفِيُّ يَنبَغي أن يَنصَبَّ على هذا بِعَينِه، أي على إقامةِ بَدَنٍ أوشَكَ أن يَنطَفِئَ لِفَقدِ ما يُقيمُه.

والمِسكِينُ من س-ك-ن، وهو الذي سَكَنَ وقَرَّ لأنَّ الحاجةَ أقعَدَتْه، ولم يَكُن ذلك اختِياراً، فلا حَرَكةَ له تَنفَعُه، وهو ساكِنٌ تَحتَ ثِقَلِ العَوَزِ لا يَملِكُ أن يَسعى لِنَفسِه سَعياً يَكفيه. واجتِماعُ «الطَّعامِ» و«المِسكِينِ» يُقابِلُ حاجةً بِما يَسُدُّها، فهُنا بَدَنٌ يَطلُبُ ما يُقيمُه، وصاحِبُه قد سَكَنَ عن طَلَبِه لِعَجزِه، فلا يَصِلُ إلَيه ما يُقيمُه إلّا بِدَفعٍ من غَيرِه.


حَصيلة

النَّفيُ في «ولا تَحاضُّونَ» يَقَعُ على صيغةِ تَفاعُلٍ، لا على فِعلِ فَرد، والجِذرُ ح-ض-ض دَفعٌ حارٌّ مُلِحٌّ إلى الفِعل، و«تَحاضُّونَ» أن يَدفَعَ بَعضُكُم بَعضاً، فالمَنفِيُّ تَبادُلُ الحَثِّ في الجَماعةِ كُلِّها. ومَوضِعُ هذا الحَثِّ «طَعامُ المِسكِين»، والطَّعامُ من ط-ع-م ما يُقيمُ البَدَنَ ويُمسِكُ بِه الحَياة، والمِسكِينُ من س-ك-ن مَن أقعَدَتْه الحاجةُ فسَكَنَ عن السَّعيِ الذي يَكفيه. فالآيةُ تُعَيِّنُ غِياباً مُضاعَفاً، إذ غابَ الدَّفعُ المُتَبادَلُ بَينَ الجَماعة، وكانَ مَوضِعُه أحوَجَ ما يَكونُ إلَيه، وهو إقامةُ بَدَنٍ قَعَدَ صاحِبُه عن إقامةِ نَفسِه.