الفجر · الآية 17

﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ

«كَلّا»: رَدعٌ يَقطَعُ الظَّنَّ قَبلَ أن يَستَقِرّ

تَنزِلُ «كَلّا» كَلِمةً واحِدةً تَقطَعُ ما قَبلَها قَطعاً، وهي ردعٌ وزَجر، مَعناها لِلسّامِعِ أنَّ الذي ظَنَّه ليسَ كذلك، فليَرجِعْ عنه. وقد سَبَقَها في السّورةِ مَن يَحسَبُ أنَّ سَعةَ الرِّزقِ إكرامٌ من رَبِّه وأنَّ ضيقَه إهانة، فجاءَت «كَلّا» تَهدِمُ هذا الميزانَ من أساسِه، فالمالُ ليسَ مِعيارَ الكَرامة، ولا فَقدُه عُنوانَ الهَوان.

ومَوضِعُ «كَلّا» في صَدرِ الآيةِ يَجعَلُها بَوّابةً لا يُفتَحُ ما بَعدَها إلّا بَعدَ أن يُغلَقَ ما قَبلَها، فهي تُسكِتُ الدَّعوى أوّلاً، ثُمَّ تَترُكُ المَجالَ لِما يَكشِفُ الحَقيقة، والكَلامُ لا يَمضي إلى الإثباتِ حتّى يُمحى الوَهم.

«بَل لا تُكرِمونَ»: انتِقالٌ من الظَّنِّ إلى الفِعل

والحَرفُ الذي بَعدَ «كَلّا» حَرفُ إضرابٍ يَنقُلُ الكَلامَ من جانِبٍ إلى جانِب، وهو «بَل»، يَصرِفُه عن أن يَكونَ الأمرُ كما تَظُنّونَ في الرِّزقِ إلى أنَّ المُشكِلةَ في فِعلِكُم أنتُم. وبَعدَ أن رُدَّ الظَّنُّ يُوجَّهُ النَّظَرُ إلى الصَّنيع: «لا تُكرِمونَ اليَتيم». والجِذرُ ك-ر-م دائِرٌ على ما صِينَ في مَكمَنِه بِلَمسةٍ خَفيفةٍ ثُمَّ خَرَجَ مُستَرسِلاً، فالكَرَمُ بَذلٌ يَخرُجُ من جَوفٍ مَكنونٍ لا يُرى مَصدَرُه، والكَريمُ من النّاسِ والثَّمَرِ والمَعدِنِ ما خَلَصَ فعَلا قَدرُه.

وإكرامُ اليَتيمِ رَفعٌ لِقَدرِه وصَونٌ لِمَوضِعِه بَينَ النّاس، زِيادةً على إطعامٍ يُلقى إلَيه. والنَّفيُ في «لا تُكرِمونَ» يَكشِفُ خَلَلاً في الباطِنِ قَبلَ الظّاهِر، فمَن مَنَعَ الكَرامةَ عَمَّن لا حامِيَ له فقد قَلَبَ الميزانَ الذي ظَنَّه، إذ جَعَلَ الكَرامةَ في المالِ الذي يُمسِك، لا في الفِعلِ الذي يَبذُل.

«اليَتيمَ»: مَن انفَرَدَ فبَقِيَ بِلا سَنَد

ومادّةُ ي-ت-م تَدورُ على ما انقَطَعَ عَنه سَرَيانٌ لَيِّنٌ كانَ يَجري فيه فأُمسِكَ على نَفسِه، فاليَتيمُ مَن فَقَدَ سَنَدَه فبَقِيَ وَحدَه رَقيقاً لا يُحامى عنه، و«الدُّرّةُ اليَتيمةُ» التي لا نَظيرَ لها فانفَرَدَت. فاليُتمُ مَوضِعُ انكِشاف، إذ هو نَفسٌ بِلا ظَهرٍ يَسنِدُها ولا يَدٍ تَدفَعُ عنها.

واختِيارُ اليَتيمِ أوَّلَ ما يُذكَرُ في قائِمةِ الصَّنيعِ مَقصود، فهو المِحَكُّ الأصدَق، ومَن لا يُرجى مِنه رَدٌّ ولا تُخشى مِنه سَطوةٌ يَكونُ إكرامُه دَليلَ كَرَمِ الباطِنِ لا حِسابِ الظّاهِر. فإذا مُنِعَ الكَريمُ مِمَّن هو أحوَجُ النّاسِ إلَيه، انكَشَفَ أنَّ الميزانَ المَردودَ في «كَلّا» كانَ ميزانَ مَن يُكرِمُ القَوِيَّ ويَترُكُ الضَّعيف.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«كَلّا» رَدعاً يَقطَعُ الظَّنَّ السّابِق، فالمالُ ليسَ مِعيارَ الكَرامةِ ولا فَقدُه عُنوانَ الهَوان. ثُمَّ تَنقُلُ «بَل» النَّظَرَ من الظَّنِّ إلى الفِعل: «لا تُكرِمونَ اليَتيم». والجِذرُ ك-ر-م ما صِينَ في مَكمَنِه بِلَمسةٍ خَفيفةٍ ثُمَّ خَرَجَ مُستَرسِلاً، فالإكرامُ رَفعُ قَدرٍ وصَونُ مَوضِع، لا مُجَرَّدُ إطعامٍ يُلقى. واليَتيمُ من ي-ت-م مَنِ انفَرَدَ بِلا سَنَدٍ فبَقِيَ مُنكَشِفاً، وهو المِحَكُّ الأصدَقُ لِلكَرَم، إذ لا يُرجى مِنه رَدّ. فالآيةُ تَنقُلُ الكَرامةَ من المالِ الذي يُمسَكُ إلى الفِعلِ الذي يُبذَلُ لِمَن لا حامِيَ له.