البلد · الآية 2

﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ

«وَأَنتَ»: التِفاتٌ يَصِلُ المُقسَمَ بِه بِالمُخاطَب

بَعدَ القَسَمِ بِالأرضِ في الآيةِ الأُولى تَنعَطِفُ العِبارةُ إلى المُخاطَبِ نَفسِه: «وأنتَ»، والواوُ هُنا تَصِلُ ولا تَفصِل، فتَجعَلُ المُخاطَبَ جُزءاً من المَشهَدِ الذي أُقسِمَ بِه، لا ناظِراً إلَيه من خارِج، كأنَّ القَسَمَ بِالأرضِ لم يَكتَمِل مَعناه حتّى وُصِلَ بِمَن يَحِلُّ فيها.

والخِطابُ بِضَميرِ الحُضورِ «أنتَ» يُثَبِّتُ السامِعَ في مَوضِعِه: لستَ غائِباً يُحكى عَنه، وإنَّما حاضِرٌ مُواجَهٌ بِحالِه. فالآيةُ تَجمَعُ بَينَ شَهادَةِ الأرضِ وشَهادَةِ مَن عَلَيها، وتَجعَلُ القَسَمَ والمُقسَمَ عَلَيه يَلتَقِيانِ في مَوضِعٍ واحِد.

«حِلٌّ»: نُزولٌ يَحُلُّ ويَنحَلّ

الجِذرُ ح-ل-ل يَدورُ على نُزولٍ بِمَوضِعٍ وانفِكاكٍ من عَقد. والحُلولُ نُزولُ السائِرِ فيَضَعُ رَحلَه ويَستَقِرّ، و«حَلَّ بِالمَكان» نَزَلَ بِه فأقام، ومَحَلُّ القَومِ مَوضِعُ نُزولِهم. وفي الوَجهِ الآخَرِ يَدورُ على فَكِّ ما كانَ مَعقوداً: «حَلَّ العُقدةَ» فَكَّها، و«الحَلالُ» ما انفَكَّ عَنه الحَظرُ فصارَ مُطلَقاً، والوَجهانِ نَفَسٌ واحِد، فمَن نَزَلَ بِمَوضِعٍ فقد فَكَّ شَدَّ رَحلِه وأطلَقَ نَفسَه فيه.

فَ«حِلٌّ» في الآيةِ تَجمَعُ المَعنَيَين: المُخاطَبُ نازِلٌ بِهذا المَوضِعِ مُستَقِرٌّ فيه، ومُطلَقٌ فيه لا يُمنَع، فهو فيه كَمَن في مَوضِعِه الذي يَحِقُّ لَه فيه ما لا يَحِقُّ لِطارِئٍ عابِر. والقَسَمُ بِالأرضِ يَزدادُ ثِقَلاً حينَ يَكونُ المُخاطَبُ نَفسُه حالّاً فيها: تُقسِمُ الآيةُ بِأرضٍ، ثُمَّ تُري أنَّ مَن يُخاطَبُ هو ابنُها الحالُّ بِها.

«بِهَٰذَا الْبَلَدِ»: المَوضِعُ نَفسُه يُعادُ ذِكرُه

ويُعادُ المُقسَمُ بِه «هذا البَلَد» بِعَينِ لَفظِه من الآيةِ الأُولى، والبَلَدُ من ب-ل-د، المَوضِعُ المَحدودُ المُمسِكُ الذي يَستَقِرُّ فيه السائِرُ فلا يَبرَح، يَألَفُه أهلُه ويَلزَمونَه. والإعادةُ تَثبيتٌ لا تَكرارٌ فارِغ: الأرضُ التي شَهِدَ بِها القَسَمُ هي نَفسُها الأرضُ التي يَحِلُّ فيها المُخاطَب.

والإشارةُ «هذا» تُبقي المَوضِعَ حاضِراً بَينَ يَدَي السامِع، فلا يَنصَرِفُ الذِّهنُ إلى أرضٍ أُخرى مُتَخَيَّلة، والآيةُ تُحكِمُ العَقدَ بَينَ ثَلاثة: قَسَمٌ ماضٍ، وأرضٌ ثابِتَةٌ تَحتَ القَدَم، ومُخاطَبٌ حالٌّ فيها مُطلَقٌ بِها.


حَصيلة

تَعطِفُ الآيةُ على قَسَمِ الأُولى بِالتِفاتٍ إلى المُخاطَب: «وأنتَ»، فتَصِلُه بِالأرضِ المُقسَمِ بِها وتَجعَلُه جُزءاً من المَشهَد. و«حِلٌّ» من ح-ل-ل، نُزولٌ يَستَقِرُّ وانفِكاكٌ يُطلِق، فالمُخاطَبُ نازِلٌ بِالمَوضِعِ مُستَقِرٌّ فيه مُطلَقٌ بِه. ويُعادُ «هذا البَلَد» بِعَينِ لَفظِه من ب-ل-د، أرضٌ مُمسِكَةٌ ثابِتَةٌ، تَثبيتاً لا تَكراراً. فالقَسَمُ بِالأرضِ يَكتَمِلُ مَعناه حينَ يُري أنَّ مَن يُخاطَبُ حالٌّ فيها: شَهادَةُ المَوضِعِ وشَهادَةُ ابنِه الحالِّ بِه تَلتَقيان، تَمهيداً لِما سَيُقالُ بَعدُ عن كَبَدِ هذا الإنسان.