الليل · الآية 7

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ

«فَسَنُيَسِّرُهُ»: نَتيجَةُ الفِعلِ، لا جَزاؤه فَحَسب

والفاءُ في «فَسَنُيَسِّرُهُ» فاءُ تَفريع، فما تَقَدَّمَ سَبَبٌ لِما يَلي. وعُدِلَ عن صِيَغِ المُجازاةِ المُجَرَّدَة، نَحوِ «أعطَيناه الجَنَّة» و«جَزَيناه خَيراً»، إلى «نُيَسِّرُهُ»، والتَّيسيرُ تَدَخُّلٌ في طَبيعَةِ الطَّريقِ نَفسِها، وليسَ عَطاءً يَرتَفِعُ ويَنخَفِض، فالحَرَكَةُ تَستَمِرّ، غَيرَ أنَّها تَجري في طَريقٍ يَسلَس.

والسّينُ في «سَنُيَسِّرُهُ» سينُ التَّنفيس، وهي تَدُلُّ على المُستَقبَلِ القَريب، وحَرَكَةُ التَّيسيرِ فيها لا تَبدو مُؤَجَّلَةً إلى آخِرَة، وإنَّما تَنزِلُ مَعَ كُلِّ خَطوَةٍ يَخطوها مَن سَلَكَ هذه الجِهَة، وكُلُّ سَعيٍ في طَريقِ الحُسنى يَستَدعي تَيسيرَ هذا السَّعيِ نَفسِه.

«لليُسرى»: التَّفضيلُ المُؤَنَّثُ يُقابِلُ «الحُسنى»

والجِذرُ ي-س-ر حرفيّاً لِينٌ يَسيلُ ويَتَجَدَّد، رَخاوَةٌ لا تُقاوَم، واليُسرُ فيه سَلاسَةُ الطَّريقِ في وَجهِ الحَرَكَة، لا غِيابُ المَشَقَّة. و«اليُسرى» على وَزنِ التَّفضيلِ المُؤَنَّث، تَلتَقِطُ هذه السَّلاسَةَ في صورَتِها العُليا. وقد جاءَت في الكِتابِ هُنا في فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾، وفي مَوضِعٍ آخَرَ في وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾، وهي كَلِمَةٌ مَخصوصَةٌ بِهذا السِّياق.

واللّامُ في «لليُسرى» لامُ الانتِهاء، فالتَّيسيرُ يَتَّجِهُ بِه نَحوَ هذا المَوضِع، وكأنَّ الإنسانَ في جِهَةٍ والطَّريقُ تَلينُ تَحتَ قَدَمِه نَحوَ يُسرى. وليسَ اليُسرُ هُوَ الجَزاء، والطَّريقُ نَفسُها هي التي تُجَهَّزُ لِيَنتَهيَ بِه إلى يُسرى، فالفِعلُ يَجري والطَّريقُ تَتَكَيَّفُ لَه.

وفي اختيارِ صيغَةِ التَّفضيلِ المُؤَنَّثَةِ في «الحُسنى» قَبلُ، ثُمَّ في «اليُسرى» هُنا، ثُمَّ في «الأُولى» فيما بَعدُ ومَعَها «الآخِرَةُ» مُؤَنَّثَةً على فاعِلة، نَمَطٌ مَلحوظ، والسّورَةُ تَختارُ الصِّيَغَ المُؤَنَّثَةَ لِأشياءَ كَبيرَةٍ مُجَرَّدَة: الحُسنى، واليُسرى، والآخِرَة، والأُولى، وكأنَّ المَفهومَ المُتَكامِلَ في صورَتِه يَأخُذُ صيغَةً مُؤَنَّثَة، فيَستَقبِلُ الفِعلَ كَما تَستَقبِلُ الأرضُ المَطَر.

المُقابَلَةُ مَع «العُسرى» في الآيةِ العاشِرَة

ويَتَكَرَّرُ القَولُ نَفسُه بِصورَةٍ مَعكوسَةٍ في الآيةِ العاشِرَة: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ، والفِعلُ هُوَ نَفسُه، أي التَّيسير، غَيرَ أنَّ الجِهَةَ مَعكوسَة. وهي كَلِمَةٌ ثَقيلَةٌ في النَّصّ، فحَتّى مَن سَلَكَ طَريقَ الجَفاءِ يَتَيَسَّرُ لَه ذلكَ الطَّريقُ نَفسُه، والتَّيسيرُ صِفَةٌ كَونيَّةٌ تَنزِلُ على كِلا القُطبَين، والفَرقُ في الجِهَةِ لا في حَرَكَةِ التَّيسير.

وهذا مِن أدَقِّ ما في السّورَة، فقد أوثِرَ في حَقِّ القُطبِ الثّاني «نُيَسِّرُهُ لِلعُسرى» على «نُجازيهِ بِالعُسر»، والفِعلُ مُتَعَمَّدٌ مُتَكَرِّر، وكأنَّ السّورَةَ تَقول: ما يَتَيَسَّرُ لِلإنسانِ هُوَ مِن جِنسِ ما اختارَه، فمَنِ اختارَ جِهَةَ الحُسنى يُسِّرَت لَه يُسرى، ومَنِ اختارَ ضِدَّها يُسِّرَت لَه عُسرى. والتَّيسيرُ يَلتَئِمُ مَعَ الاختيارِ ولا يُلغيه.


حَصيلة

يَنزِلُ الجَوابُ على الثَّلاثيَّةِ السّابِقَة: «فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرى»، فالفاءُ فاءُ السَّبَب، والسّينُ سينُ المُستَقبَل، والفِعلُ والاسمُ من جِذرٍ واحِد، وهو ي-س-ر، ومَعناه سُهولَةٌ وانسِياب. و«اليُسرى» مُؤَنَّثُ «الأيسَر»، تُوازي «الحُسنى» في الآيةِ السّابِقَة، فمَن صَدَّقَ بِالحُسنى يُسِّرَ لِليُسرى. والتَّيسيرُ تَليينُ الطَّريقِ نَحوَها، لا إلغاءُ المَشَقَّة، فما كانَ ثَقيلاً يَخِفّ.