التين · الآية 2

﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَطُورِ سِينِينَ

«طُور»: الجَبَلُ الذي يَتَلَقّى

والجذرُ ط-و-ر يَدورُ على الانتِقالِ والتَّحَوُّل، و«طَورَ» الشَّيءُ صارَ في طَورٍ بَعدَ طَور، والمَكانُ المُسَمّى بهذا الاسمِ جَبَلٌ وَقَعَ فيه تَحَوُّلٌ مَعروف، وليس جَبَلاً صامِتاً: ارتَفَعَ فيه صَوتٌ، وانخَفَضَت صَخرَة، فما عادَ الجَبَلُ بَعدَه كَما كان.

ويَذكُرُ القرآنُ في موضعٍ آخر تَجَلِّياً عَلى جَبَل: فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، فجَبَلٌ يَستَقِرُّ فَوقَ الأرضِ يَصيرُ دَكّاً تَحتَ ثِقَلِ التَّجَلّي، والمَشهَدُ نَفسُه يَعودُ والصورةُ تَتَرَدَّد، وما يَنزِلُ على الجَبَلِ يَنقُلُه الجَبَلُ بِبَقائه أو بانهِيارِه، فهو يَتَحَدَّثُ بحالِه، لا بصَوتِه.

«سِينين»: المَوضِعُ المُسَمّى بالحُسنِ والبَهاء

و«سِينين» اسمُ المَوضِع، وقد قِيلَ في العَرَبيَّةِ إنَّه من جَذرٍ يَدورُ على الإشراقِ والحُسنِ والبَهاء، كَأنَّ الجَبَلَ نَفسَه يَحمِلُ في اسمِه أَثَراً من الذي تَجَلّى فيه. واسمُ المَكانِ يَحفَظُ شَيئاً من الحَدَثِ الذي وَقَعَ فيه، فيَصيرُ الاسمُ شاهِداً ثانياً بَعدَ الجَبَل.

والمَوضِعُ ذُكِرَ في القرآنِ بأكثَرَ من اسم: «الطُّور»، و«طُور سِينين»، و«طُور سَيناء»، فهي ثَلاثَةُ أسماءٍ لمَوضِعٍ واحد، كأنَّ النَّصَّ يَتَناوَبُ على الإشارَةِ إلَيه دونَ أن يَستَقِرَّ على صورَةٍ واحِدَة، حَتّى يَبقى المَكانُ مَوصوفاً لا مَحبوساً في تَسمِيَة، وما حَدَثَ هناكَ أَكبَرُ من أن يَستَوعِبَه اسمٌ واحِد.

من الثَّمَرَةِ إلى الجَبَل: تَدَرُّجُ الشَّهادَة

وقد بَنَتِ السورةُ في آيَتَين تَدَرُّجاً في الشُّهود: ثَمَرَةٌ تُؤكَل، ثمّ جَبَلٌ يُصعَدُ إلَيه، فالأُولى مِمّا يَدخُلُ الإنسانَ، والثانيَةُ مِمّا يَتَطَلَّعُ إلَيه، وكِلاهُما شاهِدٌ على ما هو فَوقَهُما: الثَّمَرَةُ على الذي خَلَقَها مُكتَمِلَة، والجَبَلُ على الذي تَجَلّى فَوقَه فَدَكَّه.

والتَّرتيبُ ثَمَرَتانِ ثُمَّ جَبَل، أي الكَثيرُ من الصَّغير، ثُمَّ الواحِدُ من الكَبير، فالسورةُ تَجمَعُ شَواهِدَها من طَبقاتٍ مُختَلِفَة: ما يَلمَسُه الإنسانُ كلَّ يَوم، وما لا يَصِلُ إلَيه إلّا بمَشَقَّة، والشَّهادَةُ في الكُلِّ واحِدَة.


حَصيلة

يَنتَقِلُ القَسَمُ من الثَّمَرَةِ إلى الجَبَل، من أَلطَفِ ما يَلمَسُه الإنسانُ إلى أَصلَبِ ما يَشهَدُه. و«طُور» (ط-و-ر) في جَذرِه انتِقالٌ من طَورٍ إلى طَور، فالجَبَلُ يَحمِلُ هذا الاسمَ بما وَقَعَ فَوقَه من تَحَوُّلٍ غَيَّرَه، ولا يَقِفُ سَبَبُ التَّسمِيَةِ عند ارتِفاعِه. و«سِينين» (س-ن-ي) يَحمِلُ في جَذرِه معنى السَّناءِ والبَهاء، فكأنَّ المَكانَ سُمِّيَ بما حَلَّ فيه. والقَسَمُ هنا يَستَدعي المَوضِعَ دونَ أن يُسَمِّيَ مَن كانَ فَوقَه، فالسورةُ تُريدُ شاهِداً، لا بَطَلاً مُعَيَّناً، لأنَّ الحُكمَ الذي يَأتي بَعدَها سَيَكونُ على الإنسانِ كُلِّه، لا على شَخصٍ بِعَينِه. ويَذكُرُ القرآنُ أنَّ تَجَلِّياً عَلى الجَبَلِ جَعَلَه دَكّاً: فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، وهو جَبَلٌ لم يَتَحَمَّلِ التَّجَلِّي، ومع ذلك يُستَدعى اليومَ ليَشهَدَ على الإنسانِ الذي وُسِعَ فيه ما لم يَتَحَمَّلهُ الجَبَل.