التين · الآية 3

﴿وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ

«هَذا»: الإشارَةُ إلى الحاضِرِ بَينَ القَدَمَين

واسمُ الإشارَةِ في القرآنِ يَعمَل، فـ«هَذا» يَستَدعي ما هو قَريب، ويَدخُلُ القارئُ من خِلالِه في المَشهَدِ بنَفسِه. وقد كانَتِ السورَةُ تَتَحَدَّثُ عن مَواضِعَ بَعيدَة، ثمّ أخَذَتِ القارئَ فَجأةً من كَتِفِه بقَولِها: هذا، فهو في المَوضِعِ الذي يُقسَمُ بِه، والمُرادُ ألّا يَذهَبَ بَصَرُه بَعيداً.

وفي البَقَرَةِ يَدعو إبراهيمُربَّه في مَوضِعٍ مُشابِهٍ فيَقول: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، وكانَ الدُّعاءُ بـ«هذا» مُشاراً إلَيه بإصبَعٍ يَمتَدّ، والآيَةُ هنا تَستَجيبُ بالإشارَةِ نَفسِها، فما طَلَبَه قَيِّمُ المَكانِ في طَلَبِه استَقَرَّ صِفَةً في القَسَم: «هذا البَلَدِ الأمِين».

«البَلَد»: المَكانُ الذي يَجتَمِعُ فيه الإنسانُ ويَستَقِرّ

وأصلُ ب-ل-د الاستِقرارُ في مَوضِع، و«بَلَدَ» الشَّيءُ ثَبَتَ في مَكانِه ولَم يَبرَح. والبَلَدُ في اللسانِ هو المَكانُ الذي تَأهَّلَ بأهلِه فاستَقَرّوا فيه، ولا يَقِفُ مَعناه عند المَكانِ وَحدَه، فالصَّحراءُ لا تَكونُ بَلَداً، ولا الجَبَلُ المُنفَرِدُ، حَتّى يَجتَمِعَ فيه الناسُ ويَأهَلوه.

والقَسَمُ هنا يَنتَقِلُ من ثَمَرَةٍ تُؤكَل، إلى جَبَلٍ يُصعَد، إلى مَوضِعٍ يُؤهَل، وهو تَدَرُّجٌ من الأَفرادِ إلى الجَماعَة: الثَّمَرَةُ يَأكُلُها فَرد، والجَبَلُ يَتَلَقّى عليه كَلِمَةً فَرد، أمّا البَلَدُ فيَجتَمِعُ فيه الناسُ مَعاً، كأنَّ الشَّواهِدَ تَنمو بَعضُها في بَعضٍ حَتى تَنتَهيَ إلى صورَةِ الجَماعَة.

«الأمِين»: البَلَدُ الذي يَأمَنُ فيه الذي يَنزِلُه

و«الأَمِين» على وَزنِ فَعيل، وهو وَزنُ الصِّفَةِ الراسِخَة، فالأَمنُ صِفَةٌ ثابِتَةٌ في البَلَد، وليس البَلَدُ آمِناً مَرَّةً ثمّ يُنزَعُ عنه الأَمن. والأَمنُ في العَرَبيَّةِ ثِقَةٌ مُتَبادَلَةٌ، زِيادَةً على غِيابِ الخَوف: مَن دَخَلَه أَمِن، ومَن أَودَعَه شَيئاً ائتَمَنَه، وفَعيلٌ تَجمَعُ مَعنى الفاعِلِ والمَفعول، فالبَلَدُ يَأمَن، والبَلَدُ مُؤتَمَن.

وفي البَقَرَةِ يَدعو إبراهيمُ بمَعنىً قَريبٍ من هذا: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، والمَعنى يَعودُ فيه على تَرتيب: بَلَدٌ آمِن، ثمّ ثَمَرات، وقد قَلَبَتِ السورَةُ هنا التَّرتيب: ثَمَرَتانِ أوّلاً، ثمّ بَلَدٌ أَمين. والدُّعاءُ نَزَلَ من الإنسانِ فاستَجابَ اللهُ، والقَسَمُ يَنزِلُ من اللهِ فيُذَكِّرُ بما استُجيب.

والمُقسَمُ به أربَعَة: تِينٌ وزَيتونٌ وطُورٌ وبَلَد، وقد استُدعِيَتِ الأرضُ كلُّها شَهيداً قبل أن يَنطِقَ النَّصُّ بحُكمِه، وحينَ تَستَجمِعُ السورةُ هذا العَدَدَ من الشُّهودِ لا يَسهُلُ على القارئِ أن يُداريَ الحُكمَ الذي سيَلي.


حَصيلة

يَأتي القَسَمُ الثالثُ بالمُفاجَأَة، فـ«هَذا» إشارَةٌ إلى القَريبِ الحاضِر، بَعدَ ثَمَرَتَين في أرضٍ بعيدة وجَبَلٍ في صَحراءَ نائِيَة، والسورةُ تَطوي المَسافَةَ حتّى تَستَقِرَّ في مَوضِعِ القارئ. و«البَلَد» (ب-ل-د) مَوضِعُ استِقرارٍ تَأهَّلَ بأهلِه، فلا بَلَدَ بِلا ناس، ولا بَلَدَ بِلا ثَبات. و«الأمِين» (أ-م-ن) على وَزنِ فَعيل، صِفَةٌ راسِخَةٌ تَجمَعُ الفاعِلَ والمَفعول، فالبَلَدُ يَجعَلُ مَن دَخَلَه آمِناً، وهو نَفسُه مُؤتَمَنٌ على ما يُودَعُ فيه. ويَذكُرُ القرآنُ دُعاءً قَريباً بهذا المَعنى: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، كأنَّ السورةَ تَستَجيبُ لهذا الدُّعاءِ بِدَمجِه في شَهادَةِ الأرض، فما طَلَبَه قَيِّمُ المَكانِ صارَ صِفَةً في القَسَم. وتَحتَ أربَعَةِ شُهودٍ تَنطِقُ السورةُ الآنَ بحُكمِها على الإنسان.