التين · الآية 1

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ

«والتِّين»: ثَمَرَةُ النُّضجِ المُباشَرِ تَحتَ الوَرَق

والتِّينةُ من بين الثَّمَراتِ شَيءٌ غَريب، فثَمَرَتُها تَنفَتِحُ من الدَّاخل، ولا تَبدو قَبلَها زَهرَةٌ على الشَّجَرَةِ كما في غَيرِها، وتَخرُجُ مُغلَقَةً ثمّ تَنضَجُ مُغلَقَةً، فإذا فُتِحَت وُجِدَت مُمتَلِئَةً بحَبٍّ كَثيرٍ في صورَةٍ واحِدَة، فهي كَثرَةٌ مَخفِيَّةٌ في هَيئَةِ ثَمَرَةٍ مُفرَدَة.

وقد ارتَبَطَ التِّينُ في العَرَبيَّةِ بمَواضعَ يَطيبُ فيها العَيش، فأرضُ التِّينِ أرضُ خَيرٍ مُقيم، لأنّ الشَّجَرَةَ لا تُعطي إلّا حيث تَستَقِرّ، فالقَسَمُ بالتِّينِ قَسَمٌ بثَمَرَةٍ تَدُلُّ على مَوضعٍ تَأهَّل، يَستَقِرُّ فيه الإنسانُ ويَأكلُ من شَجَرٍ غَرَسَه قَبلَه آخَرون. والثَّمَرَةُ التي تُغلِقُ كَثرَتَها في صورَةٍ واحِدَةٍ هي ذاتُها صورةُ المَكانِ الذي يَنطَوي على بَركَةٍ مُقيمَة.

«والزَّيتون»: ثَمَرَةُ العَصرِ والنُّورِ المُستَخرَج

والزَّيتونةُ شَجَرَةٌ مُبارَكَةٌ في النَّصِّ القرآنيّ، ذُكِرَت صَريحَةً في موضعٍ آخر: شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، والزَّيتُ في باطِنِ الثَّمَرَةِ جاهِزٌ للضَّوءِ قَبلَ أن تَلمَسَه شَرارَة، غَيرَ أنَّه لا يَنفَعُ ما دامَ في باطِنِها، ولا بُدَّ فيه من العَصر.

والقَسَمُ بالزَّيتونِ قَسَمٌ بما لا يُستَخرَجُ خَيرُه إلّا بضَغطٍ مَدروس، وكذلك الإنسانُ الذي تَتَكَلَّمُ عنه السورةُ في الآياتِ التاليَة، لا يَظهَرُ ما فيه إلّا تَحتَ امتِحان، فالنُّورُ الذي «يَكادُ يُضيء» مَكنونٌ فيه، يَنتَظِرُ الضَّغطَ الذي يُخرِجُه، والإنسانُ في ذلك كالثَّمَرَة.

القَسَمُ بثَمَرَتَين: الأرضُ تَشهَدُ قَبلَ الحُكم

وتَبني السورةُ نَفسَها على أربَعَةِ مُقسَمٍ به: ثَمَرَتانِ ثمّ جَبَلٌ ثمّ بَلَد، والانتِقالُ بَينَها غَيرُ عَشوائيّ، فهي تَبدأُ بأَلطَفِ ما يَدخُلُ في الفَم، وتَنتَهي بأصلَبِ ما يَقومُ في الأرض، من ثَمَرَةٍ يُمسِكُها الطِّفلُ إلى بَلدٍ تَجتَمِعُ فيه القُلوب، والشَّهادَةُ تَتدَرَّجُ من ألينِ ما يَلمَسُه الإنسانُ إلى أَثبَتِ ما يَستَقِرُّ عليه.

وهذا تَدَرُّجٌ مَقصود، ومَن أنكَرَ على نَفسِه أنّه خُلِقَ في أحسَنِ تَقويمٍ فلتَشهَد عليه ثَمَرَةٌ يَأكُلُها كلَّ يَوم. والشَّهادةُ في القرآنِ تَأتي أحياناً من جَبَلٍ ثابِت، وأحياناً من أَكلَةٍ على المائدة، والقَسَمُ هنا يَجمَعُهُما.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بقَسَمَين من عالَمِ الأكل: ثَمَرَةٍ تُمنَحُ ناضِجَةً كما هي (ت-ي-ن)، وثَمَرَةٍ لا يَنكَشِفُ خَيرُها إلّا بضَغطٍ يَعصِرُها (ز-ي-ت)، والفارِقُ بينَهُما في مَسارِ الإعطاءِ لا في الجَودَة: ما يَأتي كَما هو، وما يَحتاجُ إلى عَمَلٍ يُخرِجُه. وكِلتا الشَّجَرَتَين مُعَمَّرَةٌ تَشهَدُ الأجيال، فالقَسَمُ بشاهِدَين باقيَين يَقِفانِ قَبلَ أن تُصدِرَ السورةُ حُكمَها على الإنسان، وليس بثَمَرَةٍ عابِرَة. والزَّيتُ في القرآنِ مَوصوفٌ بأنّه يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، فهو نورٌ مَكنونٌ في باطِنِ الثَّمَرَةِ يَنتَظِرُ الضَّغطَ الذي يُخرِجُه، وهذا نَموذَجُ الإنسانِ الذي سَتَتَكَلَّمُ عنه الآياتُ التالِيَة: خُلِقَ في أحسَنِ تَقويم، وما فيه من خَيرٍ قد يَظهَرُ كما هو، وقد يَنتَظِرُ عَمَلاً يُخرِجُه.