العلق · الآية 19

﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب

«كَلّا»: الضَّربَةُ الثالِثَة

في السورَةِ ثَلاثُ «كَلّاوات»: في 6 لِفَصلِ الوَحدَتَين، وفي 15 لِبَدءِ التَّحذير، وهُنا في 19 لِبَدءِ الأَوامِر، وكُلُّ ضَربَةٍ مِنها تَنقُلُ المَوقِفَ إلى دَرَجَةٍ أَشَدّ. والأَخيرَةُ تَختِمُ الحُجَّةَ بِأَن يُمنَعَ ما يُقالُ من حَولِ المُخاطَبِ من الدُّخولِ إلَيه، وبِأَن يَفعَلَ ما يُقَرِّبُه.

والكَلِمَةُ تَفصِلُ بَينَ ما قَبلَها وما بَعدَها، فما قَبلَها كَشفٌ لِلنّاهي وعاقِبَتِه، وما بَعدَها أَوامِرُ لِلمَنهِيّ. وبِها يَنتَقِلُ النَّظَرُ من النّاهي إلى المُصَلّي، والمُرادُ تَركُ الالتِفاتِ إلى ما هُناك، والانشِغالُ بِما هُنا.

«لا تُطِعهُ»: النَّهيُ يُقابَلُ بِالنَّهي

النّاهي في الآيَةِ التاسِعَة يَنهى عَبداً إذا صَلّى، والآيَةُ الأَخيرَةُ تَنهى المُصَلّيَ عَن طاعَةِ ذلك النّاهي، فيَقَعُ النَّهيُ الإلهيُّ في مُقابَلَةِ النَّهيِ البَشَريّ. والميزانُ بَيِّن، فالنَّهيُ البَشَريُّ لا يُعارِضُ نَهياً إلهيّاً، والأَمرُ البَشَريُّ لا يُعارِضُ أَمراً إلهيّاً، والمُصَلّي بَينَ النَّهيَين يَختارُ أَيَّهُما يُطيع.

وأَصلُ ط-و-ع الانقِيادُ بِسُهولَة، فالطّاعَةُ انقِيادُ مَن يَختار، وهي غَيرُ الانقِيادِ القَسريّ. والمُصَلّي مَأمورٌ بِأَلّا يَنقادَ لِلنّاهي، ولم يُؤمَر بِأَن يُجابِهَه، فلا يَدخُلُ مَعَه في حَربٍ مَفتوحَة، وشَأنُه أَن يَنزِعَ مِن قَلبِه ما يَجعَلُه يَنقادُ لَه. ومَعنى لا تُطِعه أَلّا يُلَيِّنَ نَفسَه لِما يَقولُه النّاهي، وأَن يَبقى على الذي يَفعَل.

«واسجُد واقتَرِب»: الاقتِرابُ نُقطَتُه السَّجدَة

والجَذرُ س-ج-د يَدُلُّ على الانخِفاضِ مَعَ التَّعظيم، والسُّجودُ أَدَقُّ صورَةٍ في الجِسمِ تَعرِفُها العَرَبُ لِإعلانِ خُضوعٍ تامّ، ولا يَقِفُ عِندَ وَضعِ الجَبهَةِ على الأَرض. والمَوضِعُ الذي تُمَسُّ به الأَرضُ، وهو الجَبهَةُ نَفسُها التي ذُكِرَت في «الناصِيَة»، هو نُقطَةُ الاقتِراب، فالناصِيَةُ التي كانَت كاذِبَةً خاطِئَةً عند النّاهي تَكونُ ساجِدَةً مُقتَرِبَةً عند المُصَلّي.

والسُّجودُ (س-ج-د) في الكِتابِ خَطٌّ يَفصِلُ بَينَ مَن يَخفِضُ جَبهَتَه ومَن يَأبى. والنّاهي في هذه السورَةِ يَنهى عَن الصَّلاةِ ويَتَوَلّى، أي يَأبى السَّجدَةَ ويَصُدُّ عَنها، والآيَةُ الأَخيرَةُ في العَلَقِ تَجعَلُ المُصَلّيَ على الضَّفَّةِ الأُخرى: اِسجُد، حَيثُ أَبى المُتَوَلّي أَن يَسجُد.

و«اقتَرِب» على الافتِعال، ومَعناه الاقتِرابُ بِالنَّفس، دونَ انتِظارِ مَن يُدني. والذي تَوَلّى أَدارَ ظَهرَه بِاختِيار، والمُصَلّي يَقتَرِبُ بِاختِيار، والمَسافَتانِ كِلتاهُما بِيَدِ صاحِبِ الفِعل: مَن يَتَوَلّى يَبتَعِد، ومَن يَسجُدُ يَقتَرِب. والكَلِمَةُ الأَخيرَةُ في السورَة، واقتَرِب، تُغلِقُ القَوسَ الذي افتَتَحَ بِالأَمرِ الأَوَّل، من «اقرأ» إلى «اقتَرِب»، فالقارئُ الذي بَدَأَ بِالقِراءَةِ يَنتَهي بِالاقتِراب، وكُلُّ ما بَينَ الكَلِمَتَين كانَ تَفصيلاً لِما يَكونُ الإنسانُ عَلَيه أَو لا يَكون.


حَصيلة

هذه «كَلّا» الثالِثَةُ والأَخيرَة، والضَّرَباتُ الثَّلاثُ في السورَةِ تَتَدَرَّج: الأُولى فَصَلَت بَينَ الوَحدَتَين (آية 6)، والثانيَةُ أَطلَقَت التَّحذير (آية 15)، وهذه تُطلِقُ الأَوامِر. وتَتَوالى ثَلاثَةُ أَوامِر: «لا تُطِعه» (ط-و-ع) نَهيٌ عَن الانقِيادِ لِلنّاهي، وفيه يُخاطِبُ الكِتابُ المُصَلّيَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُباشَرَةً، لا عَن طَريقِ «أَرَأَيت». و«اسجُد» (س-ج-د) أَدَقُّ صورَةٍ في الجِسمِ لإعلانِ خُضوعٍ تامّ، والجَبهَةُ التي تُمَسُّ بها الأَرضُ هي الناصِيَةُ نَفسُها المَذكورَةُ في الآيَتَين 15-16، فالناصِيَةُ الكاذِبَةُ عند النّاهي تَكونُ ساجِدَةً عند المُصَلّي. و«اقتَرِب» (ق-ر-ب) على الافتِعالِ فِعلٌ يَفعَلُه صاحِبُه بِنَفسِه مُختاراً. والسورَةُ التي افتَتَحَت بِـ«اقرأ» تَنتَهي بِـ«اقتَرِب»، من أَوَّلِ حَرفٍ نَزَلَ إلى خاتِمَةِ الأَمر، ومن العَلَقَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيرِها إلى الجَبهَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِرَبِّها.