آل عمران · الآية 97

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ

«فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ»: البيتُ يَحمِلُ دَلائلَ داخِلَه

الضميرُ في «فيه» عائدٌ إلى البيتِ المذكورِ في الآيةِ السابقة، فيَجعَلُه حَيِّزاً لآياتٍ موصوفةٍ بالبيّنات. والبيانُ من ب-ي-ن انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فيَصيرُ الفَرقُ ظاهِراً. ثمّ ذُكِرَ «مقام إبراهيم» بدَلاً أو بياناً من الآيات. وفي «مَقام» تَعقِدُ القافُ في العُمق، وتُمسِكُ الميمُ ما جَمَعَه العَقدُ من باطِنِه، ويَمُدُّ امتدادُ الواوِ بَينَهُما هذا الإمساكَ ويُطيلُه، فالقِيامُ ثَباتٌ مَعقودٌ غيرُ وُقوفٍ عابِر، والمَقامُ مَوضِعُ هذا الثَّبات. وبذلك تَكونُ الآيةُ البَيِّنةُ المَذكورةُ مَوضِعاً باقياً، لا خَبَراً يُروى، أي أَثَرَ قِيامٍ يُشارُ إليه في الحَيِّزِ نفسِه.

«وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا»: الدُّخولُ يَنتَقِلُ إلى حالِ الأَمن

وعَطَفَت الواوُ شَرطاً عامّاً بـ«مَن»، والضميرُ في «دخله» عائدٌ إلى البيت. والدُّخولُ من د-خ-ل دَفعٌ يَنفُذُ في اختِراقٍ جارٍ ثمّ يَتَعَلَّقُ بالحَيِّزِ ويَستَقِرُّ داخِلَه، وجَوابُ المَعنى «كان آمناً». وفي «آمِناً» تَحتَبِسُ الهمزةُ بضَغطٍ يَتَهَيَّأ، وتُمسِكُ الميمُ ما احتَبَسَ في جَوفٍ يَحتَويه، وتَنبَعِثُ النونُ به لَطيفاً إلى الخارِج، فالأَمنُ سُكونٌ باطِنٌ يَظهَرُ أَثَرُه على صاحِبِه. وجاءَ الوَصفُ حالاً دونَ الفِعل، وعُدِلَ فيه عن «أَمِنَ» عندَ الدُّخولِ إلى «كان آمِناً»، فصارَ الأَمنُ صِفةَ مَن دَخَلَ ما دامَ فيه، كما أنَّ الحَيِّزَ نَفسَه مَوضِعُ قِيامٍ ثابِت، فيَتَجاوَبُ ثَباتُ المَقامِ وسُكونُ الداخِل.

«وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ»: الجِهةُ والسَّببُ والمَحلُّ مَلفوظة

وقُدِّمَ في الجملةِ «لله» فكانَت الوجهةُ سابقةً على ذكرِ الفعل، ثمّ جاءَ «على الناس» حاملاً معنى اللزوم. والحجُّ من ح-ج-ج احتواءٌ باطنٌ يجتمعُ ويبرز، ثمّ يُضاعفُ تكرارُ الجيمِ القصدَ والاجتماعَ عندَ المقصد، وإضافتُه إلى البيتِ تُعيّنُ محلَّ القصد، فمركزُ الجملةِ لزومُ قصدِ البيتِ لله على الناس.

«مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»: الاستِطاعةُ تَضبِطُ مَن يَحمِلُ اللُّزوم

و«من استطاع» بدَلٌ أو بيانٌ من النّاس، يُدخِلُ شَرطَ القُدرةِ داخلَ الحُكم. وأصلُ ط-و-ع انبِساطٌ يَنقادُ فيَجري مَعَ غَيرِه في مَسلَكٍ مَحدود، وصيغةُ الاستِفعالِ في «استطاع» تَطلُبُ القُدرةَ وتَستَخرِجُها حتى يَتمكَّنَ صاحبُها. ومَفعولُ الاستِطاعةِ «سبيلاً» مُتَعَلِّقٌ بـ«إليه»، أي طريقاً مُوصِلاً إلى البيت، والاستِطاعةُ وسَبيلُ الوُصولِ جزءانِ من العبارة.

«وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ»: الإعراضُ لا يَنقُصُ الجِهةَ

وتَفتحُ الواوُ شَرطاً آخَرَ بـ«مَن»، وفعلُه هذه المرّةَ الكُفر، والفاءُ تُدخِلُ جَواباً يُثبِتُ غِنًى قائماً: «إنّ الله غنيّ عن العالمين». ومدارُ غ-ن-ي على غَورٍ مَستورٍ يَنبَعِثُ منه الامتِلاءُ ثمّ يَمتَدُّ في سَريانٍ لا يَطلُبُ تمامَه من خارِج، و«غني» صِفةٌ مُشَبَّهةٌ تُثبِتُ الاستِغناءَ على الدَّوام. و«عن العالمين» تُوسِّعُ جِهةَ الاستِغناءِ إلى كُلِّ مَن سَمّاه هذا الجَمع، فيَبقى الحَجُّ لله وعلى المُستَطيع، ويَعودُ أَثَرُ الكُفرِ إلى صاحِبِه وَحدَه.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من البيتِ إلى ما فيه من آياتٍ بيّناتٍ يُذكَرُ منها مقامُ إبراهيم، ثمّ تَربِطُ الدُّخولَ بحالِ الأَمن، وتُقيمُ لله على النّاسِ حَجَّ البيت، مع ضَبطِ مَن يَحمِلُ اللُّزومَ بالاستِطاعةِ إلى سبيلٍ يُوصِلُ إليه. والحُكمُ قائمٌ على ثلاثةِ ألفاظٍ مَلفوظة: جِهةٌ هي «لله»، ولُزومٌ هو «على الناس»، وقَيدٌ هو «من استطاع إليه سبيلاً». وفي الخِتامِ يُثبِتُ الجَوابُ غِنًى سابِقاً على القَصدِ وباقياً بعدَه، فمَن كَفَرَ يَعودُ أَثَرُ كُفرِه إليه، والغِنى عن العالمين قائم، والوِجهةُ تَشرُفُ بها الحَرَكة، والجِهةُ غيرُ مُستَكمِلةٍ بها كَمالاً مَفقوداً.