آل عمران · الآية 142

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ

«أَمْ حَسِبْتُمْ»: الاستفهامُ يَفتَحُ الحُسبانَ للفَحص

تأتي «أم» بعدَ التمحيصِ والمَحقِ فتَنقُلُ الخِطابَ إلى سؤالٍ يَراجِعُ ما حَسِبَه المخاطَبون. وفي ح-س-ب احتواءٌ يَضيقُ على ما فيه، ثمّ مَجرىً دقيقٌ يَجري فيه ما احتُوي، ثمّ تَمَسُّكٌ يَعقِدُه على وَجهٍ واحد؛ فالحُسبانُ تَقديرٌ يَستَقِرُّ في الصَّدرِ ويُمسَكُ به فيَصيرُ كالمَعلوم. الفعلُ ماضٍ مسندٌ إلى الجمع، والاستفهامُ يَعرِضُ التقديرَ للاختبارِ بما يَأتي بعدَه. فالسؤالُ يَدخلُ مباشرةً إلى حُسبانِ المخاطَبينَ ويَزِنُه.

«أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ»: المَحسوبُ دُخولٌ إلى الحَيِّز المَستور

تَكشفُ «أن» ومصدرُها المؤوَّلُ مضمونَ الحُسبان: أن تدخلوا الجنّة. الدخولُ من د-خ-ل دَفعٌ نافذٌ يَدخُلُ اختراقاً جارياً ثمّ يَتعلّقُ بحَيِّزٍ ويَحوزه، فيَحمِلُ انتقالاً من خارجٍ إلى داخل. والجنّةُ من ج-ن-ن اجتماعٌ يَدخُلُ احتواءً جوفيّاً ويُكثِّفُ تَكرارُ النونِ السِّتر. تَعريفُها يَصلُها بالجنّةِ التي سبقَ ذكرُها، ويَجعلُ حُسبانَ الدخولِ نفسَه موضعَ السؤالِ قبلَ القيدِ التالي.

«وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ»: ما في الدّاخِلِ يَنتَظِرُ ظُهورَه

تَعطِفُ الواوُ «لمّا» فتَنفي وقوعَ الفعلِ إلى زمنِ الخطابِ مع إبقاءِ الحدِّ منتظَراً: ولمّا يعلمِ الله. وفي ع-ل-م ما يَظهَرُ من العُمقِ إلى السَّطح، ثمّ يَتَعَلَّقُ بما ظَهَرَ فلا يُفارِقُه، ثمّ يُضَمُّ في صِلةٍ ثابتة؛ فالمَوضِعُ الذي تَذكُرُه الآيةُ مَوضِعُ انكِشافٍ يَظهَرُ فيه المَخبوءُ، لا خَبَرٌ يَنقُصُ ثمّ يَتِمّ. الفاعلُ اسمُ الله، والجملةُ تَضعُ هذا الانكِشافَ قيداً في بنيةِ السؤال. ترتيبُها الملفوظُ يَضعُ حُسبانَ الدخولِ بإزاءِ حدٍّ منتظَرٍ يَظهَرُ فيه أهلُ البذلِ والصبر.

«الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ»: البَذلُ يَخرُجُ منكم لا من غَيرِكم

يأتي المفعولُ الأوّلُ للعلمِ موصولاً: الذين جاهدوا منكم. الجهدُ من ج-ه-د اجتماعٌ يَدخُلُ فراغاً ومَجرىً مفتوحاً ثمّ يَثبُتُ تحتَ ضغطِ الدال، فيَحمِلُ بذلَ طاقةٍ في مقاومةِ الفراغ. صيغةُ المفاعلةِ تُدخِلُ أصحابَها في مجاهدةٍ فعّالة، والماضيُ يُثبِتُ وقوعَ الفعل. أمّا «منكم» فتُخرِجُهم من داخلِ جماعةِ المخاطَبينَ على جهةِ التبعيض؛ فالوصفُ يَقعُ على الذين ظَهَرَ منهم البذلُ داخلَ الجمع.

«وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ»: الصَّبرُ يَقِفُ وَصفاً لا يَذوب

تَعطِفُ الواوُ فعلاً: ويعلمَ الصابرين. تَكرارُ الفعلِ يَمنحُ أصحابَ الصبرِ موقعَ مفعولٍ صريحٍ آخر. الصبرُ من ص-ب-ر إطباقٌ صُلبٌ يَتَّصلُ ويتمسّكُ ثمّ يَجري مسترسلاً، فيَحمِلُ ثباتاً يَحبِسُ التفلّتَ ويَمتدُّ في الزمن. وجاءَ الصابرونَ اسماً لا فِعلاً ماضياً كما جاءَ المُجاهِدون، فالجِهادُ وَقعةٌ تُذكَرُ بمُضِيِّها والصَّبرُ هَيئةٌ تَدومُ على صاحِبِها؛ ولذلك أُفرِدَ لهم فِعلُ عِلمٍ ثانٍ ولم يُعطَفوا على الأوّلِ عَطفَ التّابع. هكذا يَقفُ البذلُ والصبرُ علامتَينِ ظاهرتَينِ داخلَ علمٍ ذُكِرَ مرّتَين.


حَصيلة

يَعرضُ الاستفهامُ حُسبانَ دخولِ الجنّةِ على قيدينِ يَكشفُهما تركيبُ «ولمّا»: ظُهورُ الذين جاهدوا من داخلِ جماعةِ المخاطَبينَ على جهةِ التبعيض، وظُهورُ الصابرينَ أصحابِ الطبيعةِ المستمرّةِ في الثبات. وبذلك يَكسِرُ السؤالُ افتراضَ الوصولِ السابقَ لظهورِ البذلِ والصبرِ في موضعِ العلمِ الذي سمّته الآية، فيَبقى التمحيصُ السابقُ حاضراً في بُنيتِه.