البقرة · الآية 208

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

(س ل م): السِّلمُ فَضاءُ تَسليمٍ لا هُدنةُ قِتال

وأصلُ (س ل م) تَسليمُ الشَّيءِ لِمالِكِه الحَقيقيّ، وانتِقالُه من حالِ النِّزاعِ إلى حالِ الإقرارِ بِما هو، ومن هذا المَعنى السِّلمُ والسَّلامُ والإسلامُ والتَّسليم.

و«ادخُلوا في السِّلم» دَعوةٌ إلى الدُّخولِ في فَضاءِ الاعتِرافِ بِأنَّ الإنسانَ في نَفسِه مَخلوقٌ لا خالِق، وأنَّ نِزاعَه الحَقيقيَّ هو ضِدُّ مُحاوَلةِ نَفسِه أن تَكونَ مالِكةً لِذاتِها، وليست دَعوةً إلى إيقافِ حَربٍ جُغرافيّة، وحينَ تُسَلِّمُ النَّفسُ بِهذه الحَقيقةِ تَدخُلُ في السِّلم.

(ك ف ف): الكافَّةُ جَمعٌ لِلأطرافِ لا أعداداً لِلأشخاص

ومَدارُ (ك ف ف) على الجَمعِ والرَّدِّ إلى الدّاخِل، والكَفُّ ما يُجمَعُ بِه الشَّيء، وكَفَّ عن كَذا: رَدَّ يَدَه عَنه، والكِفّةُ طَرَفُ الشَّيءِ المَطويّ، فـ«كافّةً» في هذه الآيةِ تَعني الحالَ التي تُجمَعُ فيها الأطرافُ كُلُّها في فِعلِ الدُّخول.

و«كافّة» تَحتَمِلُ أن تَكونَ حالاً من الفاعِلِ بِمَعنى «جَميعاً»، وتَحتَمِلُ أن تَكونَ حالاً عامّةً لِلدُّخول، أي ادخُلوا دُخولاً كافّاً لا يَبقى فيه جُزءٌ مِنكُم خارِجَ السِّلم، والمَعنى الأدَقُّ يَجمَعُ الوَجهَين: شُمولَ الأشخاصِ (جَميعاً) وشُمولَ الأبعادِ الدّاخِليّةِ لِكُلِّ شَخصٍ (بِكُلِّه).

(خ ط و): خُطُواتُ الشَّيطانِ كَمَنهَجِ التَّجَزيء

وأصلُ (خ ط و) المَسافةُ بَينَ القَدَمَينِ في المَشي، والخُطوةُ وَحدةُ تَنَقُّلٍ صَغيرة، وقد كَرَّرَ القرآنُ صيغةَ «خُطُواتِ الشَّيطان» في عِدّةِ مَواضِعَ تَحذيريّة.

وأوثِرَ لَفظُ «الخُطُوات» على الطُّرُقِ والمَسالِكِ لِقَصدٍ لاهوتيٍّ دَقيق. والشَّيطانُ لا يَضَعُ طَريقاً كامِلاً أمامَ الإنسان، ويَقتَرِحُ خُطوةً خُطوة، كُلُّ واحِدةٍ مِنها صَغيرةٌ يَظُنُّها الإنسانُ مَقبولة، ثُمَّ تَتَراكَمُ فيَجِدُ نَفسَه بَعيداً عن نُقطةِ البَدء، فكُلُّ خُطوةٍ تُهَيِّئُ لِلَّتي بَعدَها.

وهذا التَّقابُلُ بَينَ «الدُّخولِ كافّة» و«الخُطُواتِ المُتَجَزِّئة» جَوهَريٌّ لِفَهمِ الآية. والسِّلمُ يُدخَلُ إلَيه جُملةً واحِدةً لا خُطوةً خُطوة، لأنَّ كُلَّ دُخولٍ تَدريجيٍّ يَبقى عُرضةً لِلانتِقاص، والشَّيطانُ يُفَضِّلُ التَّدريجَ لأنَّه يَترُكُ مَجالاً لِلتَّراجُعِ قَبلَ الوُصول.

(ش ط ن): الشَّيطانُ المُقترِحُ لا المُلزِم

وأصلُ (ش ط ن) البُعد، يُقالُ: شَطَنَ المَكانُ، إذا بَعُد، والشَّيطانُ كُلُّ عاصٍ بَعيدٍ عن الخَير، وهو يَقتَرِحُ ويُزَيِّنُ ولا يَأمُرُ ولا يُلزِم، وتَأثيرُه مَشروطٌ بِاختيارِ الإنسانِ لاتِّباعِه.

والفِعلُ في «ولا تَتَّبِعوا» فِعلٌ اختياريّ، والآيةُ تَعتَرِفُ ضِمنيّاً بِأنَّ اتِّباعَ الخُطُواتِ فِعلٌ إراديّ، والإنسانُ هو الذي يَختارُ أن يَضَعَ قَدَمَه على خُطوةِ الشَّيطانِ ثُمَّ على التي بَعدَها. فالخَطَرُ في قابِليّةِ الإنسانِ لِلتَّدَرُّجِ نَحوَ البُعد، لا في الشَّيطانِ نَفسِه.

(ع د و) + (ب ي ن): العَداوةُ المَكشوفَةُ لا المُخفاة

ومادّةُ (ع د و) التَّجاوُزُ والتَّعَدّي، والعَدُوُّ مَن يَتَجاوَزُ حُدودَك، والعَداوةُ حالُ تَجاوُزٍ مُستَمِرّة، و«مُبين» من (ب ي ن)، بِمَعنى الواضِحِ المَكشوف.

ووَصفُ الشَّيطانِ بِـ«عَدُوٌّ مُبين» يَرفَعُ عَنه حِجابَ الالتِباس، وهو خَصمٌ أعلَنَ خِصومَتَه مُنذُ البَدء، وليس صَديقاً مَخفيَّ النَّوايا، وهذا الإعلانُ يَرفَعُ عن الإنسانِ عُذرَ «لم أعرِفه»، ومَن سارَ على خُطُواتِ عَدُوٍّ مَعلومٍ فقد اختارَ السَّيرَ عَلَيها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: السِّلمُ فَضاءُ استِسلامٍ شامِلٌ لا هُدنةُ حَرب، والكافّةُ جَمعُ كُلِّ أطرافِ النَّفسِ في الدُّخولِ دَفعةً واحِدة، والخُطُواتُ المُتَجَزِّئةُ تَكتيكُ عَدُوٍّ مُعلَنٍ لا وَسيلةُ نُصحٍ خَفيّ.


حَصيلة

بَعدَ أن أتَمَّتِ الآياتُ 204-207 رَسمَ قُطبَيِ الإنسانِ في مُواجَهةِ الحَقّ، يَأتي النِّداءُ الجَماعيّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. والجِذرُ -س-ل-م- يَجمَعُ السِّلمَ والسَّلامَ والإسلامَ والتَّسليمَ في أصلٍ واحِد، هو تَسليمُ الشَّيءِ لِمالِكِه الحَقيقيِّ وانتِقالُه من النِّزاعِ إلى الإقرار، فالدُّخولُ في السِّلمِ اعتِرافٌ بِأنَّ النَّفسَ مَخلوقةٌ لا خالِقة، وليس إيقافاً لِحَربٍ جُغرافيّة. ثُمَّ يُحَدِّدُ الجِذرُ -ك-ف-ف- مَعنى «كافّة»، وهو جَمعُ كُلِّ الأطرافِ بِحَيثُ لا يَبقى جُزءٌ من النَّفسِ خارِجَ الدُّخول، فالدّينُ لا يَقبَلُ استِسلاماً جُزئيّاً يَحتَفِظُ بِبَعضِ مَناطِقِ الرَّفض. وهُنا يَتَّضِحُ التَّقابُلُ مع الجِذرِ -خ-ط-و-: «خُطُواتِ الشَّيطان» وَحَداتٌ صَغيرةٌ مُتَتابِعة، وهي تَكتيكُ التَّدَرُّجِ الذي يَقتَرِحُ دُخولاً جُزئيّاً خُطوةً فخُطوة، فيَبقى صاحِبُه دائِماً خارِجاً جُزئيّاً. والشَّيطانُ من -ش-ط-ن- بَعيدٌ عن الخَيرِ بِمَنَعةٍ بارِزة، عَدُوٌّ أعلَنَ خِصومَتَه مُنذُ البَدء، فمَن سارَ على خُطاه لا يَستَطيعُ أن يَقولَ «لم أعرِف».