النصر · الآية 2

﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا

«ورَأيت»: العَلامةُ تُعرَفُ بالعَين، لا بالخَبَر

الفِعلُ «رَأى» في جذرِه (ر-أ-ي) يَجمَعُ النَّظرَ والاستِنتاجَ مَعاً، ولا يَنحَصِرُ في إبصارِ العَينِ الجَسَديّ: يُرى الشيءُ، ثُمّ يَرجِعُ البَصَرُ مِنه إلى أصلٍ يُحكَمُ عليه به. ولذلك يَتَّسِعُ الفِعلُ في القرآنِ ليَشمَلَ الرُّؤيا والاعتِبارَ والمُلاحَظة. والاختيارُ في الآيةِ مَقصود: عُدِلَ عن «وَأُخبِرتَ» و«وَعَلِمتَ» إلى «رَأيتَ»، والعَلامةُ على ساعةِ النَّصرِ مَشهدٌ يَقَعُ في عَينِ المُخاطَبِ، وليست خَبَراً يَنقُلُه ناقِل.

ومَوضعُ هذه الرُّؤيةِ بَعد «إذا جاءَ» مَوضعٌ تَعليميّ: يَنزِلُ أوّلاً ما يَنزِلُ من فَوق، ثُمَّ يَظهَرُ ما يَظهَرُ في الأرض، فالنَّصرُ والفَتحُ غَيبٌ يُسَلَّم، ودُخولُ الناسِ شَهادةٌ تُرى. والقارئُ الذي يَنتظِرُ مَوعداً يَسأَلُ عن العَلامةِ التي يَعرِفُ بها أنَّ السَّاعةَ قد جاءَت، والآيةُ تُجيبُه بأنَّها حين يَرى المَوجَ يَدخُل.

«النَّاسَ»: لا قَومٌ بعَينه، بل الجِنسُ كلُّه

في العربيّةِ ألفاظٌ كَثيرةٌ للجَماعةِ البَشَريّة: قَومٌ، وأُمّةٌ، وقَبيلةٌ، وعَشيرةٌ، والاختيارُ هنا «النَّاس» بأل التَّعريف، وهي أعمُّ ما في البابِ وأَشمَلُه. وأصلُ ن-و-س الظُّهورُ المَوصولُ بحَركة، فالنَّاسُ مَن يَتَحَرَّكُ ظاهراً مَعَ غَيره. وقد اختارَت الآيةُ هذا اللفظَ لتَدُلَّ على أنَّ الذي يَدخُلُ هو الجِنسُ البَشَريُّ بصِفتِه جِنساً، وليس قَوماً بعَينِه ولا قَبيلةً مُحَدَّدَة.

وهذا فَرقٌ بَيِّنٌ بين ما تَفعَلُه هذه السورةُ وما تَفعَلُه سُوَرٌ سابقة، فحين يُذكَرُ «بَنو إسرائيل» يُذكَرُ قَومٌ بِعَينِه، وحين يُذكَرُ «قُريش» تُذكَرُ قَبيلةٌ بِعَينِها، أمّا «النَّاس» هنا فلا يُسَمّي أَحَداً ولا يَستَثني أَحَداً. ونِداءُ الافتِتاحِ في البَقَرةِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، وهو نِداءٌ عامّ يَستَجيبُ له هنا دُخولٌ عامّ، وما طُلِبَ من «النَّاس» في فاتحةِ البَقَرة يَتَحَقَّقُ في فاتحةِ النَّصرِ مَوجاً مَوجاً.

«يَدخُلون فِي دِينِ اللهِ»: الدُّخولُ، لا الاعتِناق

والفِعلُ «يَدخُلون» مُضارعٌ مَرفوع يَدلّ على حَركةٍ تَتَجَدَّدُ ولا تَنقَطِع. والدُّخولُ في اللسانِ وُلوجُ تَجويفٍ تَستَقِرُّ فيه الحركة، وليس إعلانَ انتِماءٍ خارجيّ، فمَن دَخَلَ البَيتَ كانَ فيه، ولا يَدخُلُه إلّا لِأنَّ بابَه مَفتوح. ولذلك تَقَدَّمَت الآيةُ السابقةُ بـ«الفَتح»، فلا يَدخُلُ المَوجُ إلّا حين يَنكَسِرُ الإغلاق.

والمَدخولُ فيه «دِينُ اللهِ»، لا «الإسلامُ» اصطِلاحاً، ولا «المِلّة» مُؤسَّسَةً. والكَلِمةُ «دِين» في جذرِها (د-ي-ن) جَمعَت ثَلاثةَ مَعانٍ مُتَّصِلَة: ما يَلزَمُ الإنسانَ تجاه غَيره، وما يُحاسَبُ عليه، وما يَلتَزِمُ به في سُلوكِه. فدُخولُ الناسِ في «دينِ الله» قَبولُ إلزامٍ يَأتي من الله، يَنتَظِمُ به سُلوكُ المَرءِ تجاهَ ما فَوقَه وما حَولَه، وهو غَيرُ انتقالِ بطاقةِ هُوِيّة، والدُّخولُ في الدِّينِ دُخولٌ في النِّظام، لا الانتِسابُ إلى اسم.

وقد سَمِعَت البَقَرةُ هذا التَّعبيرَ على وَجهٍ آخَر، حين قالَ تعالى عن الجَماعةِ التي تَستَقيم: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، والدِّينُ هناك غايةٌ تُطلَب، يَكونُ فيها كُلُّ الإلزامِ خالِصاً للهِ وَحدَه، وهو هنا مَجرى يَدخُلُ فيه الناسُ، وما طُلِبَ في البَقَرةِ غايةً يُسَلَّمُ في النَّصرِ مَنظَراً مُشاهَداً، فالإلزامُ الذي كان يَنبَغي أن يَكون لله صار مَجرىً يَدخُلُ فيه الناسُ بأنفسِهم.

«أَفواجاً»: المَوجُ البَشَريُّ، لا الفَردُ

و«الفَوج» في اللسانِ مَوجةٌ من جَماعةٍ تَتَتابَعُ، تَجري في حركةٍ واحدةٍ ثُمَّ يَلحقُها فَوجٌ آخَر، وفي الكلمةِ صَوتٌ من جَريانِ الهَواءِ والماء، أي ما يَتَحَرَّكُ مُتَجَمِّعاً ثُمَّ يَنتَشِر. وجَمعُها هنا «أَفواجاً» مُضاعَفةٌ للمَعنى، فالمُرادُ فَوجٌ يَتلوه فَوج، وليس فَوجاً واحداً، والناسُ يَدخُلون مَوجاً بَعد مَوج، فلا يَدخُلون فُرادى، ولا يَدخُلون مَرّةً واحدةً ثمّ يَنقَطِعُ المَجيء.

وفي هذا التَّصويرِ مَعنىً يَتَجاوَزُ اللحظةَ التاريخيّة. والصِّراطُ في الفاتحةِ كان طَلَباً فَرديّاً: «اهدِنا الصِّراطَ المُستَقيم»، والآيةُ هنا تُري القارئَ ما يَكونُ الصِّراطُ حين يَتَّسِعُ بنَصرٍ وفَتح: مَجرىً يَجري فيه المَوجُ البَشَريُّ، لا مَمَرٌّ ضَيِّقٌ يَختَرِقُه الواحدُ في عُسر، والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والمَجرى يَسبِقُ الجَماعة.


حَصيلة

تَأتي العَلامةُ الثانية: «رَأَيتَ»، وما يَظهَرُ للبَصَرِ ساعةَ النَّصرِ والفَتحِ حَركةُ الناس، وليس جَيشاً يَزحَف، ولا رايةً تَخفِقُ، ولا قَلعةً تُفتَح. والفِعلُ «رَأى» في جذرِه (ر-أ-ي) يَجمَعُ النَّظرَ والاستِنتاجَ مَعاً، ولا يَنحَصِرُ في إبصارِ العَينِ الجَسَديّ، فيُرى الشيءُ ثُمّ يَرجِعُ البَصَرُ منه إلى أصلٍ يُحكَمُ عليه به. وعُدِلَ عن «أُخبِرتَ» و«عَلِمتَ» إلى «رَأَيتَ»، والعَلامةُ مَشهدٌ يَقَعُ في العَين لا خَبَرٌ يَنقُلُه ناقِل. ثُمّ تَختارُ الآيةُ لَفظَ «النَّاس» بأل التَّعريف، وهو أَعَمُّ ما في البابِ وأَشمَلُه من «قَوم» و«قَبيلة» و«أُمّة»، فالجِنسُ البَشَريُّ يَدخُلُ بصِفَتِه جِنساً، لا قَوماً بَعَينِه. ثُمّ «يَدخُلون» مُضارعٌ يَدُلُّ على حَركةٍ تَتَجَدَّد، والدُّخولُ في اللسانِ وُلوجُ تَجويفٍ تَستَقِرُّ فيه الحركة، وليس إعلانَ انتِماءٍ خارجيّ؛ ولِذا تَقَدَّمَ في الآيةِ السابقة «الفَتح»، فلا يَدخُلُ المَوجُ إلّا حين يَنكَسِرُ الإغلاق. والمَدخولُ فيه «دينُ اللهِ» لا «الإسلامُ» اصطِلاحاً ولا «المِلّة» مُؤسَّسةً. والكَلِمةُ في جذرِها (د-ي-ن) جَمَعَت ثَلاثةَ مَعانٍ مُتَّصِلة: ما يَلزَمُ الإنسانَ تجاه غَيره، وما يُحاسَبُ عليه، وما يَلتَزِمُ به في سُلوكِه؛ فدُخولُ الناسِ في «دينِ الله» قَبولُ إلزامٍ يَأتي من الله، وليس انتِقالَ بطاقةِ هُوِيّة. ثُمّ «أَفواجاً»، والفَوجُ في الجذرِ (ف-و-ج) مَوجَةٌ بَشَريّةٌ تَتَتابَعُ كَمَوجِ البَحر، يَنفَصِلُ منها فَوجٌ ثُمّ يَأتي بَعدَه فَوج، والجَمعُ هنا يُضاعِفُ المَعنى، فهي مَوجاتٌ بَعدَ مَوجات، وليست فَوجاً واحداً. والذي طَلَبَه الفَردُ في الفاتحةِ «اهدِنا الصِّراطَ المُستَقيم» يَستَجيبُ لَه هنا حَدَثٌ جَماعيّ: يَتَّسِعُ الصِّراطُ بحَيثُ تَدخُلُ فيه أُممٌ كاملة، وقد كانَ الطَّلَبُ بصيغةِ المُفرَد، وجاءَ الجَوابُ بصيغةِ الجَمع.