الإسراء · الآية 80

﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا

«وَقُل رَّبِّ»: دُعاءٌ يُملى

الآيةُ لَيسَت دُعاءً يُحكى عن قائِلِه. هي أمرٌ بِأن يُقال، ثُمَّ نَصُّ ما يُقال. فالكَلِماتُ التّاليةُ مُملاةٌ لا مَنقولة.

و«رَبِّ» أقصَرُ صِيَغِ النِّداء: حُذِفَ حَرفُ النِّداءِ وحُذِفَتِ الياء، فلَم يَبقَ إلّا الاسمُ والإضافة. ومَن قَرُبَ لم يَحتَجْ إلى رَفعِ الصَّوت.

ويَتلوها أمرٌ آخَرُ بِالقَولِ في الآيةِ بَعدَها: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾. قَولانِ مُتَجاوِرانِ، أوَّلُهُما طَلَبٌ يُرفَعُ وثانيهِما خَبَرٌ يُعلَن. يُقالُ إلى فَوقُ أوَّلاً، ثُمَّ يُقالُ إلى النّاس.

«أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ»: طَرَفانِ لا يُسَمّى مِنهُما شَيء

الفِعلانِ على وَزنِ أفعَلَ: «أَدْخِلْنِي» لا «أدخُلُ»، و«أَخْرِجْنِي» لا «أخرُجُ». فالدّاخِلُ لا يُدخِلُ نَفسَه، والخارِجُ لا يُخرِجُ نَفسَه. طُلِبَ الفِعلانِ من صاحِبِهِما لا من صاحِبِ الأثَر.

ثُمَّ «مُدْخَلَ» و«مُخْرَجَ» على وَزنِ مُفعَلٍ من الفِعلَينِ أنفُسِهِما، وهو يَصلُحُ لِلمَوضِعِ ولِلوَقتِ ولِلحَدَثِ نَفسِه. ثَلاثةُ أوجُهٍ لم تُغلَقْ واحِدةٌ مِنها.

وأُضيفَ الطَّرَفانِ إلى «صِدْقٍ» نَكِرةً. لا مَكانَ يُسَمّى، ولا وَقتَ يُضرَب، ولا بابَ يُوصَف. المَذكورُ صِفةُ الدُّخولِ لا مَحَلُّه.

و«الصِّدق» في جَذرِه صَلابةٌ مُمسِكةٌ تَثبُتُ ثُمَّ تَخرُجُ قاطِعة. ومنه «رُمحٌ صَدْقٌ» أي صُلبٌ لا يَنثَني. فالمَطلوبُ دُخولٌ لا فُرجةَ فيه بَينَ ما يَبدو وما هو، وخُروجٌ كَذلك. ما دَخَلتَ فيه بِصَلابةٍ تَخرُجُ مِنه بِها.

وانظُرْ إلى تَوازُنِ الطَّلَب. يُسألُ الدُّخولُ ويُسألُ الخُروجُ بِالعِنايةِ نَفسِها. ولَولا العِبارَتانِ لَظُنَّ أنَّ المَطلوبَ مَوضِعٌ يُدخَلُ ويُقامُ فيه. الآيةُ تَطلُبُ البابَينِ مَعاً.

وهذا الجَذرُ نَفسُه وَقَعَ قَبلَ أربَعِ آياتٍ في يَدِ غَيرِه: لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾. إخراجٌ يُحاوِلُه سِواهُ هُناك، وإخراجٌ يَسألُه من رَبِّه هُنا. الفِعلُ واحِدٌ واليَدُ تَتَبَدَّل.

«وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ»: المَصدَرُ يُنَصُّ عَلَيه قَبلَ المَطلوب

«اجْعَل» وَضعُ الشَّيءِ في حالٍ جَديدة. ثُمَّ «لِّي»، فالمَجعولُ لَه مُعَيَّن. ثُمَّ «مِن لَّدُنكَ»، فالمَصدَرُ مُعَيَّنٌ أيضاً.

ولَم يَكُنْ لا بُدَّ من ذِكرِه. كانَ يَكفي «واجعَلْ لي سُلطاناً نَصيراً». لكِنَّ الزِّيادةَ تَنفي ما سِواها: لا مِن نَفسي، ولا مِن قُوّةٍ أجِدُها، ولا مِن أحَدٍ يُعطيني. مِن عِندِك أنتَ.

وهذا يُقابِلُ ما قيلَ في هذا العُنقودِ نَفسِه: ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. نَصيرٌ لا يوجَدُ في جِهةٍ، ونَصيرٌ يُطلَبُ من الجِهةِ الأُخرى. أُغلِقَ بابٌ ثُمَّ عُلِّمَ الطَّرقُ على الباب.

«سُلْطَانًا نَّصِيرًا»: لَفظٌ نُفِيَ عن واحِدٍ ويُطلَبُ لِآخَر

«السُّلطان» من س-ل-ط، وأصلُ الجَذرِ قُوّةٌ تَنفُذُ من ضِيقٍ ثُمَّ تَنبَسِطُ فتُطبِقُ على ما تَحتَها. ومنه «السَّليط» الدُّهنُ يَجري فيُضيءُ ويُحرِق، و«التَّسَلُّط» عُلُوٌّ يُطبِقُ على المَغلوب.

واللَّفظُ يَقَعُ على الحُجّةِ التي تَغلِبُ الحُجّة، وعلى الأمرِ الذي يَعلو على المَأمور. والآيةُ لم تُقَيِّدْه بِواحِدٍ مِنهُما، تَرَكَتْه نَكِرةً ووَصَفَتْه بِوَصفٍ واحِد.

وهذا اللَّفظُ بِعَينِه نُفِيَ في هذا العُنقودِ عن غَيرِه: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. سُلطانٌ يُنفى عن واحِدٍ ويُطلَبُ لِآخَرَ في المَوضِعِ نَفسِه. والفَرقُ في الحَرف: هُناكَ «عَلَيْهِمْ»، أي سُلطانٌ يُطبِقُ على قَومٍ؛ وهُنا «نَّصِيرًا»، أي سُلطانٌ يَشُقُّ عن مَحصور.

فالمَسؤولُ لَيسَ قُوّةً تَعلو على أحَد. هو قُوّةٌ من شَأنِها أن تَفتَحَ ما أُطبِقَ. ولذلك خُتِمَت بِـ«نَّصِيرًا» على وَزنِ فَعيل، وَصفٌ لازِمٌ لا فِعلٌ عارِض.


حَصيلة

أمرٌ بِأن يُقال، ثُمَّ نَصُّ ما يُقال، ونِداءٌ حُذِفَ مِنه كُلُّ ما يُمكِنُ حَذفُه. ثُمَّ طَلَبانِ مُتَقابِلانِ على وَزنِ الإفعال: أن يُدخَلَ وأن يُخرَج، فلا يَدخُلُ الدّاخِلُ بِنَفسِه ولا يَخرُجُ الخارِجُ بِنَفسِه. والمَصوغانِ بَعدَهُما على مُفعَلٍ يَصلُحانِ لِلمَوضِعِ ولِلوَقتِ ولِلحَدَث، ولم يُغلَقْ وَجهٌ مِنها. وأُضيفا إلى «صِدْقٍ» نَكِرةً في الطَّرَفَين، فوُصِفَ الدُّخولُ والخُروجُ ولم يُسَمَّ مَدخَلٌ ولا مَخرَج، والصِّدقُ في جَذرِه صَلابةٌ تَثبُتُ ثُمَّ تَخرُجُ قاطِعة. ثُمَّ يُنَصُّ على المَصدَرِ قَبلَ المَطلوب: «مِن لَّدُنكَ»، فيُنفى بِذلك كُلُّ مَصدَرٍ سِواه. ويُختَمُ بِلَفظٍ نُفِيَ في هذا العُنقودِ عن غَيرِه، ووُصِفَ هُنا بِـ«نَّصِيرًا» لا بِـ«عَلَيْهِمْ»: قُوّةٌ تَشُقُّ عمّن أُطبِقَ عَلَيه لا قُوّةٌ تُطبِقُ. آخِرُ ما في العُنقودِ طَلَبٌ يُعَلَّمُه مَن قيلَ لَه قَبلَ خَمسِ آياتٍ إنَّه لا يَجِدُ نَصيراً.