آل عمران · الآية 37

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

«فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ»: الطَّلَبُ يَلقى جَوابَه

تَصِلُ الفاءُ «فتقبَّل مني» بجَوابِها: «فتقبَّلها ربُّها». والقَبولُ من ق-ب-ل حَسمٌ يَتَّصِلُ بما يُستَقبَلُ ثمَّ يَمتَدُّ إليه. وتَكرارُ الفِعلِ والمَصدَرِ يَجعَلُ القَبولَ واقعاً مُحيطاً، ثمَّ يَصِفُه بالحُسن.

«وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا»: القَبولُ يَمتَدُّ رِعاية

الإنباتُ من ن-ب-ت انبِعاثٌ يَتَّصِلُ ثمَّ يَبلُغُ التَّمامَ في خُروجٍ حَيّ. تَكرارُ الفِعلِ والمَصدَرِ يَجعَلُ النُّموَّ مَشهَداً مُتَتابِعاً. والكَفالةُ بصيغةِ التفعيلِ شُحنةُ حِراسةٍ مُستَدامةٌ مُتَكَرِّرة، تجعلُ زكريّا واسِطةَ رِعايةٍ داخِلَ قَبولِ الرَّبّ.

«كُلَّمَا دَخَلَ... وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا»: حُضورٌ يَتَكَرَّر

تَربِطُ «كلما» كُلَّ دُخولٍ بوُجودِ رِزق. ويَجيءُ «رِزقاً» نَكِرةً مَوصولةً بـ«عندها»، فيَستَقِرُّ الثِّقَلُ على مَوضِعِ الوُجودِ وعلى تَكرارِ الدُّخولِ نَفسِه. وحينَ يَسأَلُ زكريّا عن المَجرى بـ«أنّى لك هذا»، تُجيبُ مريمُ بالمَصدَر: «هو من عند الله».

«إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ»: الواقِعةُ تَصيرُ قاعدة

الرِّزقُ من ر-ز-ق جَريانٌ يَندَفِعُ ثمَّ يُحكَمُ وُصولُه إلى مَن يَنتَفِع. الخاتمةُ تَرفَعُ الجَوابَ من الواقِعةِ إلى القاعدة: المَشيئةُ تَختار، والرِّزقُ يَبلُغ، ولا يَفرِضُ عليه عَدٌّ خارِجيٌّ مِقدارَه.

الحُسنُ يَعبُرُ من القَبولِ إلى النَّبات

يَتَكَرَّرُ «حَسَن» في القَبولِ والنَّبات، فيَصِلُ بينَ ما لَقِيَ العَطاءَ عندَ الرَّبِّ وما صارَ إليه في الزَّمَن. القَبولُ ليسَ لَحظةَ إجازةٍ تَنقَضي عندَ الباب؛ إنَّه يَفتَحُ نُموّاً، ويُقيمُ كَفالةً، ويُظهِرُ رِزقاً. لذلك يَصيرُ حُسنُ الاستِقبالِ بِيئةً يَتَشَكَّلُ فيها المَقبول، ويَصيرُ حُسنُ النَّباتِ أَثَراً مَرئيّاً لِعِنايةٍ سَبَقَته وتُرافِقُه.

وفي تَكرارِ «كُلَّما» لا يَستَنفِدُ الدُّخولُ الأوّلُ دَلالةَ الرِّزق؛ كُلُّ لِقاءٍ يُعيدُ السُّؤالَ إلى مَنبَعِه. ولا تُجيبُ مريمُ بنَوعِ ما وُجِدَ ولا بكَيفيّةِ وُصولِه، بل تَنقُلُ النَّظَرَ من الشيءِ إلى «عند الله». ثمَّ يَفتَحُ «بغير حساب» المَنبَعَ وراءَ مَقاييسِ الحارِسِ والمَكان، فلا تَملِكُ الرِّعايةُ البَشريّةُ حَدَّ ما يَأتي من الرَّبّ. الحارِسُ يَدخُلُ ويَجِد؛ أمّا المَنبَعُ فيَسبِقُ دُخولَه ويُبقي العَطاءَ أَكبَرَ من إحاطَتِه.


حَصيلة

القَبولُ الحَسَنُ لا يَقفُ عندَ العَتبة، بل يَصيرُ نَباتاً وكَفالةً وإمداداً. ويتَكَرَّرُ مَشهدُ الدُّخولِ والرِّزقِ حتى يَفتَحَ سُؤالَ المَجرى، فتَعودُ الإجابةُ إلى «عند الله». ما قَبِلَه الرَّبُّ أَنماه وحَفِظَه وأَمدَّه.