البقرة · الآية 17

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ

«اسْتَوْقَدَ نَارًا»: النارُ (و ق د) قَرضٌ خارجيٌّ لا يَستَبقي ضوءَه

«اسْتَوْقَدَ» من (و ق د)، ومعناه طَلَبُ إطلاقِ الطاقة المحتبَسة في الوقود، فالنارُ تُستَخرَجُ من مادّةٍ مختزِنةٍ خارجَ المُستوقِد، ولا تُنشَأُ من عدم. وتُوقِعُ الآيةُ المَثَلَ في ليلةٍ مُظلمة: رجلٌ أضرمَ ناراً ليُضيءَ بها ما حوله، ثمّ ظنَّ أنّ الضوءَ صارَ مِلكاً له. وهذا بعينه فعلُ المنافق، دَخَلَ في دائرة المؤمنين يَستمدُّ من نور القرآن إضاءةً لمصالحه الدنيويّة، لا ليُؤسِّسَ وقوداً داخليّاً خاصّاً به. فالنارُ هنا نارٌ مُستعارة تَعملُ ما دامَ شَحنُها متّصلاً، فإذا انقطعَ الاتّصالُ طُفِئَت، وهي غيرُ نارِ العقوبة وغيرُ نارِ القلبِ المُنير.

«ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ»: النورُ (ن و ر) لا يُملَك بالاستعارة

ومدارُ النورِ في (ن و ر) على نفاذٍ من الباطن يَشتمِلُ ما حوله ويَمتدُّ بلا انقطاع، فهو إحاطةٌ تَنبعُ من داخل المُنير، ولا يقفُ عند إضاءةٍ على السطح. ومَن استعارَ إضاءةً من خارج دون أن يُنشئَها في جوفه لم يَملكها، فهو يَحتاجُ في كلِّ لحظةٍ إلى تَوصيلٍ جديد. والمرادُ بقولِه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ إنهاءُ قَرضٍ لم يَعُد أهلُه يَستحِقّون إدامتَه، وليس نزعاً تَعسُّفيّاً لنورٍ كان لهم. ولذلك جاء «بنورِهم» مُضافاً إليهم مع أنّه كان مُستعاراً، لأنّ الإضافةَ في العربيّة تَشملُ الحيازةَ الظاهرة، دون أصلِ المِلك. وقد كان النورُ عندهم لحظةً، فأُعيدَ إلى مَصدَرِه الذي لا يَحوزونه.

«فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ»: الظُّلمةُ (ظ ل م) اختلالُ مواقع، لا غيابُ ضوء

وأصلُ الظُّلمةِ في (ظ ل م) وَضعُ الشيءِ في غير موضعه، ولا تَنحصرُ في غيابِ النور. فالذي تَصفُه الآيةُ اختلالُ مَواقعَ بَعدَ استقامة، وليس عَتمةً بَعدَ إضاءة: الفاعلُ يَظنُّ أنّه بَيتُ ضياءٍ، وهو في حقيقته خارجَ موقع الضوء، لأنّ وَضعَه لم يكن من الأوّل في محلِّه. ومن هنا جاءت «ظُلُمات» بصيغة الجمع دون المفرد، فهي طبقةٌ من سوء الموقع فوق طبقةٍ أخرى، حتى تُحاصِرَه من كلِّ جانب، ويُضافَ إلى كلٍّ منها عجزُ الإبصار: لَّا يُبْصِرُونَ﴾. فالإبصارُ في الاستقامة التي تَسمحُ للعين أن تَرى، وليس في جهاز العين، ومَن فَقَدَ موقعَه فَقَدَ رؤيتَه وإن سَلِمَت عَينُه. فالنورُ إذاً فعلٌ داخليٌّ يُصنَع، لا قَرضٌ خارجيٌّ يُستَعار، والظلمةُ وضعيّةٌ تُصَحَّح، لا قَدَرٌ يُفرَض. فالكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

المَثَلُ (م-ث-ل) صورةٌ تُوازي أُخرى فتَكشِفُها، وهذه الصُّورةُ تَرسُمُ بدِقَّةٍ ما يَجري في الذاتِ المُنافِقة. رجلٌ استَوقَدَ ناراً، وأصلُ (و-ق-د) طَلَبُ إطلاقِ طاقةٍ محتَبَسةٍ في مادَّةٍ خارِجةٍ عنه، فالنَّارُ قَرضٌ من وَقودٍ خارِجيٍّ، وليست من جَوفِه، على نحوِ ما دَخَلَ المُنافِقُ في دائرةِ المُؤمِنين يَستَمِدُّ من نورِ القُرآنِ لِمَصالِحِه لا لِيُؤَسِّسَ وَقوداً داخليّاً خاصّاً. فلمَّا أضاءَت وظَنَّ أنَّ الضَّوءَ صارَ مِلكَه ذَهَبَ اللهُ بِنورِهم، والنُّورُ (ن-و-ر: نَفاذٌ يَنبُعُ من الباطِنِ ويَشتَمِلُ ما حَوله) لا يُملَكُ بالاستِعارة، ومَن لم يُشعِلْه في جَوفِه يَظَلُّ مُحتاجاً في كلِّ لَحظةٍ إلى تَوصيلٍ جديد. فإذا انقَطَعَ التَّوصيلُ وَرِثَت مَكانَه ظُلُماتٌ (ظ-ل-م: وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه)، جاءت بالجَمعِ لأنَّها طَبَقاتٌ فَوقَ طَبَقاتٍ من سوءِ المَوقِع، وصاحِبُها لَّا يُبْصِرُونَ﴾، لأنَّ الإبصارَ في الاستِقامةِ التي تَسمَحُ للعَينِ أن تَرى، لا في جِهازِ العَين، ومَن فَقَدَ مَوقِعَه فَقَدَ رُؤيَتَه وإن سَلِمَت عَيناه. والنُّورُ فِعلٌ داخليٌّ يُصنَع، لا قَرضٌ خارجيٌّ يُستَعار.