البقرة · الآية 29

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

«خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا»: الأرضُ مَهَيَّأةٌ لا مُحايِدة

«لَكُم» هُنا تَحمِلُ ثِقَلاً نَحوِيّاً ومَعنَوِيّاً، وقد أُضيفَت إلى «خَلَقَ ما في الأرضِ جَميعاً» ولَم يُكتَفَ بِه دونَها، واللامُ في العَرَبيّةِ تُفيدُ الاختِصاصَ والاستِحقاق. فالأرضُ مَكانٌ هُيِّئَ لِلإنسانِ قَبلَ أن يُؤتى به، وليست حَقلاً مُحايِداً تُلقى فيه الكائنات، وكلُّ ما فيها من ماءٍ ومَعدِنٍ وحَيوانٍ ونَباتٍ مُوَجَّهٌ نَحوَ كائنٍ لَم يَصِلْ بَعد. وكلمةُ «جَميعاً» تُؤَكِّدُ الشُّمول، فلا يُستَثنى بَعضُ الأرضِ من هذه الوَظيفة، والوُجودُ الأرضيُّ كُلُّه مَخدومٌ لِمَصلَحةِ الكائنِ البَشَري.

«ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ» (س و ي): تَوَجُّهٌ هَندسي

ويَدُلُّ (س و ي) في العَرَبيّةِ على ضَبطِ الشَّيءِ في مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة. و«استَوى إلى» هُنا تَوَجُّهٌ بِقَصدٍ هَندَسي، لا انتِقالُ مَكانٍ (فاللهُ مُنَزَّهٌ عن المَكان)، أي تَوَجُّهٌ في الفِعلِ إلى السَّماءِ لِضَبطِها. والسَّماءُ في جذرِها (س م و) ما ارتَفَعَ فَوقَ الإنسان، ومُؤَدّى الآيةِ أنّه بَعدَ إتمامِ الأرضِ تَحتَ القَدَمَينِ تَمَّ الانتِقالُ إلى ضَبطِ ما فَوقَ الرَّأس.

«فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» (س و ي، س م و): سَبعُ طَبَقاتٍ مَضبوطة

و«سَوَّاهُنَّ» صِيغةُ مُبالَغةٍ من الجذرِ ذاتِه (س و ي)، أي جَعَلَها كُلَّها على مَقاديرَ دَقيقة. و«سَبعَ سَماواتٍ» طَبَقاتٌ مُتَدَرِّجة، وليسَت سَماءً واحِدةً بِلا نِظامٍ داخلي. والعَدَدُ سَبعة في المَنطِقِ القُرآنيِّ يَحمِلُ دَلالةَ الكَمالِ البُنيوي (سَبعُ أرَضين، سَبعُ سَماوات)، والمَقصودُ استِكمالُ البِنيةِ حَتى تَبلُغَ تَمامَها، زيادةً على العَدَدِ الرِّياضيّ. وفَوقَ رأسِ الإنسانِ إذاً طَبَقاتٌ مَضبوطة، كلُّها مُتَرابِطةٌ في نَسَقٍ واحِد.

«وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (ع ل م): الإمساكُ بالحُدودِ الدَّقيقة

ومَدارُ (ع ل م) على الإمساكِ بِحُدودِ الشَّيءِ على نَحوٍ لا لَبسَ فيه، ومنه «العَلامة»، وهي المَعلَمُ الذي يُعرَفُ به الشَّيءُ من غَيرِه. فالعِلمُ في العَرَبيّةِ تَحديدٌ دَقيقٌ لحُدودِ كلِّ مُفرَدة، وليسَ مَعرِفةً مُبهَمة، ومَعنى «بِكلِّ شَيءٍ عَليم»: يُحدِّدُ حُدودَ كلِّ شَيءٍ على حِدَة. وهذه الجُملةُ إِتمامٌ لِلمَعنى، وليسَت لاحِقةً تَزيينيّة: إذا كانَتِ الأرضُ مُهَيَّأة، والسَّماواتُ سَبعاً مَضبوطة، فكَيفَ لا يَضيعُ الشَّيءُ الصَّغيرُ فيها؟ والجَوابُ أنّ المُهَندِسَ يُمسِكُ حُدودَ كلِّ مُفرَدة. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والعِلمُ الإلهيُّ إمساكٌ دائمٌ بِحُدودِ كلِّ ما في الكَون، وليسَ اطِّلاعاً على غَيب.


حَصيلة

الآيةُ تُكمِلُ الغُرفةَ التي بَدَأت مَلامِحُها في الآيةِ الثانيةِ والعِشرين (الأرضُ فِراش، السَّماءُ بِناء) بِتَفصيلَين حاسِمَين. الأوَّل: «لَكُم» (لامُ الاختِصاص) تَجعَلُ الأرضَ مَكاناً هُيِّئَ لِمَن لم يَصِلْ بَعد، لا حَقلاً مُحايِداً، وكُلُّ ما فيها من ماءٍ ومَعدِنٍ وثَمَرٍ مُوَجَّهٌ نَحوَ الكائنِ البَشَريّ، و«جَميعاً» تُؤَكِّدُ الشُّمولَ بِلا استِثناء. والثاني: استِواءٌ (س-و-ي: ضَبطُ الشَّيءِ في مِقدارِه دون نَقصٍ ولا زيادة) نَحوَ السَّماءِ بِقَصدٍ هَندَسيٍّ لا انتِقالٍ مَكانيّ، فسَوَّاهُنَّ سَبعاً، والعَدَدُ هُنا إشارةُ اكتِمالٍ بُنيَويّ، ولا يَقِفُ عِندَ الرِّياضيِّ المَحض، وهي طَبَقاتٌ مُتَدَرِّجةٌ كُلٌّ منها عَلى مِقدارِها. وخاتِمةُ الآيةِ «بِكُلِّ شَيءٍ عَليم» تُغلِقُ باباً لو تُرِكَ مَفتوحاً لَقِيلَ إنَّ المُهَندِسَ قد أَهمَلَ تَفصيلاً، والعِلمُ (ع-ل-م: الإمساكُ بِحُدودِ كُلِّ شَيءٍ على حِدَة دون لَبس) هُنا دَلالةٌ على أنَّ كُلَّ قِطعةٍ في هذا الصَّرحِ في مَوضِعِها المُستَحَقّ. والغُرفةُ مُكتَمِلة، والمُهَندِسُ لَم يَغِبْ عنها ولَم يُهمِلْ شَيئاً مِمَّا فيها.