البقرة · الآية 28

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

«كَيْفَ تَكْفُرُونَ» (ك ف ر): التَّغطيةُ على مَصدَرٍ عَلِمتَ حُضورَه

أصلُ (ك ف ر) في اللُّغةِ التَّغطية، والكُفرُ في سياقِ الآيةِ تَغطيةٌ على حُضورٍ تَعرِفُه الذّات، وليسَ جَحداً مَعرِفيّاً لِوُجود. ولذلك جاءَ السُّؤالُ بِـ«كَيفَ» دونَ «لِمَ»، فهو استِفهامٌ عن الآليّةِ العَمَليّةِ التي تُمَكِّنُ مَن خَبَرَ حُضوراً أن يَستَمِرَّ في تَغطيَتِه، وليسَ بَحثاً عن سَببٍ مُقنِع. والخَبرةُ هي التي تُعَجِّزُ الكُفر: لا تُستَطاعُ تَغطيةٌ مَضمونةٌ على شَيءٍ لَمَسَتهُ اليَد.

«وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ» (م و ت، ح ي ي): الخَبرةُ الأُولى

ومادّةُ (م و ت) انقِطاعُ التَّغذيةِ الذاتيّة، والسُّكونُ التامّ. والمَوتُ الأوَّلُ في الآيةِ حالُ عَدَمِ الوُجودِ قَبلَ الخَلق، حينَ لَم يَكُنِ الإنسانُ شَيئاً يُذكَر. ثُمَّ «فَأَحياكُم»، وهو انتِقالٌ من السُّكونِ إلى الطاقةِ الذاتيّة، وهذا الانتِقالُ خَبرةٌ تَحتَ جِلدِ الإنسان، وليسَ حُجّةً خارجيّةً يَسمَعُها: هو الآنَ حَيٌّ، ولَم يَكُنْ من قَبلُ. فإذا أَخَذَتِ الخَبرةُ الأولى تِلكَ المَرتَبةَ من الوُضوحِ صارَ كُفرُه إنكاراً لِحَدَثٍ خَبَرَه هو.

«ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (م و ت، ح ي ي): دَورَتان مُتَلاحِقَتان

وتَرتيبُ «ثُمَّ» يَدُلُّ على التَّتابُعِ الزَّمَني، فبَعدَ الحَياةِ الأُولى تَأتي إماتةٌ ثانية (المَوتُ في الدُّنيا)، ثُمَّ إحياءٌ ثانٍ (البَعثُ يَومَ القيامة). فالآيةُ تَرسُمُ خَمسَ حالاتٍ مُتَتابِعة: عَدَمٌ، وُجودٌ، انقِضاء، استِئناف، رُجوع، وكُلُّ حالٍ تُؤَدّي إلى ما بَعدَها بِسُنّةٍ ثابِتة. والإنسانُ يَخبَرُ الأُولى مَعرِفياً (العَدَمَ قَبلَ التَّكوين)، والثّانيةَ فِعليّاً (الحَياةَ الحاليّة)، والثالِثَةَ احتِمالاً قَريباً (المَوتَ المَوعود)، والرّابِعَةَ وَعداً، والخامِسَةَ خِتاماً. ومَن دَخَلَ في هذه الدَّورةِ فكَيفَ يُغَطّي على مُحَرِّكِها؟

«ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (ر ج ع): إغلاقُ الدّائرة

ومَدارُ (ر ج ع) على العَودةِ إلى مَصدَرٍ أصلي، وفيه إقرارٌ بأنّ الحَرَكةَ كانَت دائريّةً مُنذُ البِدايَة: خَرَجَ الإنسانُ من مَصدَر، وأدَّى دَوراً، وسَيَعودُ إلى المَصدَرِ ذاتِه. والآيةُ تَعرِضُ الرُّجوعَ اختِتاماً لِنَسَقٍ قائم، ولا تَعرِضُه تَهديداً جَديداً، ومَعنى «إلَيهِ»: إلى النُّقطةِ التي منها انطَلَقَتِ الحَياة. والرُّجوعُ عَودةٌ إلى المَصدَرِ الذي كانَ الإنسانُ مَوصولاً به طُوالَ الطَّريق، وليسَ سَفَراً إلى مَكانٍ غَريب. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح، والبَعثُ إغلاقُ دائرةٍ يَعيشُ الإنسانُ فيها الآن، وليسَ حَدَثاً مُعَلَّقاً في المُستَقبَلِ البَعيد.


حَصيلة

جاءَ الاستِفهامُ بِـ«كَيفَ» دونَ «لِمَ»، فالآيةُ تَبحَثُ عن آليَّةِ الكُفرِ لا عن سَببِه، وهذا السؤالُ الحادُّ ينفُذُ إلى صَميمِ الوُجود. والكُفرُ (ك-ف-ر) تَغطيةٌ، ولا تُستَطاعُ تَغطيةٌ مَضمونةٌ على شَيءٍ لَمَسَتهُ اليَدُ وخَبَرَتهُ الجِلدُ، فالخَبرةُ هي التي تُعَجِّزُ الكُفر. ثُمَّ تَسرُدُ الآيةُ خَمسَ أحوالٍ مُتَتابِعةٍ كُلُّها يَخبَرُها الإنسانُ خَبرةً، لا سَماعاً: مَوتٌ أوَّلُ (م-و-ت: انقِطاعُ التَّغذيةِ الذَّاتيَّة) قَبلَ الخَلق، ثمَّ حَياةٌ (ح-ي-ي: انتِقالٌ من السُّكونِ إلى الطَّاقةِ الذَّاتيَّة) هو الآنَ فيها، ثُمَّ إماتةٌ ثانيةٌ قادِمة، ثُمَّ إحياءٌ ثانٍ، ثُمَّ رُجوعٌ (ر-ج-ع: العَودةُ إلى مَصدَرٍ أصليٍّ) يَختِمُ الدَّائِرة. والحَركةُ دائِريَّةٌ منذُ الأوَّل: خَرَجَ الإنسانُ من مَصدَرٍ وسَيَعودُ إليه، والرُّجوعُ اختِتامُ نَسَقٍ قائِم، لا تَهديدٌ جَديد، وبِناءُ «إليهِ تُرجَعون» لِلمَجهولِ يُبيِّنُ أنَّ هذه الحَرَكةَ قانونٌ يَسري سَواءٌ عُرِفَ أم لا، وليسَت خِياراً يُصَوَّتُ عليه. فكَيفَ يُغَطَّى على مَصدَرٍ هو ذاتُه جُزءٌ من دَورَتِه؟