البقرة · الآية 48

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

«اتَّقُوا» جذر: و-ق-ي

والوِقايةُ (و-ق-ي) رَبطٌ قاطعٌ مُوجَّهٌ نحوَ الحِماية، وفي صيغةِ افتَعَل (اتّقى) تَتَضاعَفُ الفاعليّةُ الذاتيّة: النَّفسُ تَبني الدِّرعَ بإرادتِها لا بانفعالها.

ولذلك كانَت التَّقوى هُنا صَنعةً لا خَوفًا منفعلًا، يَرى صاحِبُها البابَ الذي سيُغلَق فيُعِدُّ لنَفسِه ما يُغنيها قبلَ الإغلاق.

«يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا»

والتنكير في «يَوْمًا» يُفيد التَّهويل، فهو يومٌ من جنسٍ لا يَعرفه المُخاطَب. والجَزاء (ج+ز+ي) قَطعُ جُزءٍ وتَسليمُه اتّصالًا بجُزءٍ آخر، أي المُقاصّة، والنَّفيُ هنا قاطع: لا قِطعةَ تُحوَّل بينَ نَفسَين، فكلُّ حسابٍ داخليّ.

«وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ»

والشَّفع (ش+ف+ع) جَعلُ الواحد زَوجًا، والشَّفيع يَصُفّ نَفسه إلى المَشفوع له فيَصيران اثنَين. والنَّفي هُنا يَقطع إمكانَ التَّضاعف، فتَقِفُ النَّفسُ فَردًا بلا قَرين يَدفع عنها.

«وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ»

والعَدل لُغةً المِثلُ والمُقابل الذي يُوضع بَدلًا، والمُراد به هنا الفِدية، أي شَيءٌ يُعدَلُ بِه الشَّيء، دونَ عَدلِ القاضي. فلا فِديةَ تُقبَل بَدلًا من النَّفس، لأنّ الحِسابَ عَلى النَّفس لا على قيمتها السوقيّة.

«وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ»

والنَّصر (ن+ص+ر) اختراقٌ يَصل فيُطلق المُحاصَر. وبعد إغلاق بابَي التَّبادُل (جَزاء، عَدل) وبابِ المُضاعفة (شَفاعة) لم يَبقَ إلّا بابُ القُوّة الخارجيّة، وهو مُغلَقٌ أيضًا.


حَصيلة

تُغلِقُ الآيةُ أربَعَةَ أبوابٍ كانَت نافِعَةً في الدُّنيا، وتُعلِنُ أنَّها لَن تَنفَعَ يَومَ الحِساب. والمَقصودُ التَّقويمُ لا الإرعاب: مَن تَصَوَّرَ أنَّ جَزاءً عَن غَيرِه أو شَفاعَةً أو عَدلاً يُقبَلُ أو نُصرَةً خارِجِيَّةً تُنجيه بَنى أَمانَه على ما لا يَحمِلُه. والآيةُ تُعيدُ النَّفسَ إلى نَفسِها: لا نَفسٌ تُجزي عَن نَفس، ولا شَفاعَةَ تُقبَل، ولا عَدلٌ ثُنائِيٌّ يُنقِذُ، ولا نَصرٌ خارِجِيٌّ يُكفَل. والتَّقوى التي افتَتَحَت بِها الآيةُ من (و-ق-ي)، وهي بِناءُ حاجِزٍ بَينَ النَّفسِ والخَطَأِ يَقتَضي معرفَةَ ما يَنفَعُ قَبلَ أن يُغلَقَ البابُ. والشَّفاعةُ المَنفيّةُ في الآيةِ هي المَفروضة، ولم تَنفِ الآيةُ الشَّفاعَةَ نَفياً مُطلَقاً، وثَمّةَ آياتٌ أُخرى تُذكَرُ فيها شَفاعةٌ بإذنٍ، ومَن اتَّكَأَ على شَفاعَةٍ مَفروضَةٍ دونَ أن يُهيِّئَ نَفسَه خَسِرَ في الجِهَتَين. والوِقايَةُ الحَقيقِيَّةُ تَبني حاجِزَها الدّاخِليَّ في الوَقتِ الذي لا يَزالُ البابُ فيه مَفتوحاً، ولا تَنتَظِرُ نَصراً خارِجِياً.