البقرة · الآية 47

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

العَودةُ إلى النِّداءِ الأَوَّل: ما أَضافَه التَّكرارُ من قَيد

تَكَرَّرَ نِداءُ «يا بَني إسرائيلَ اذكُروا نِعمَتي» بَينَ الآيةِ (40) والآيةِ (47) دونَ أن يَكونَ تَكراراً خالِصاً، ففي الأُولى جاءَ النِّداءُ مُقتَرِناً بِالعَهد: «وأَوفوا بِعَهدي أُوفِ بِعَهدِكُم»، وفي الثانيةِ جاءَ مُقتَرِناً بِوَصفٍ جَديد: «وأنّي فَضَّلتُكُم على العالَمين». فَالآيتانِ قَوسانِ يَحصُرانِ بَينَهُما التَّفصيلَ، وما بَينَهُما من أَوامِرَ ونَواهٍ (الإيمانُ بِما أُنزِل، عَدَمُ التَّلبيسِ والكِتمان، إقامةُ الصَّلاة، إيتاءُ الزَّكاة، الاستِعانةُ بِالصَّبرِ والصَّلاة) هو تَفصيلُ النِّعمةِ وتَكاليفِها. فَإذا كانَ الافتِتاحُ بِذِكرِ النِّعمةِ وعَقدِ العَهد، فَالخِتامُ بِذِكرِ النِّعمةِ وتَذكيرٍ بِمَوضِعِها بَينَ الأُمَم. وبِهذا يَظهَرُ أنَّ قَولَه «فَضَّلتُكُم» حَصرٌ نِهائيٌّ لِقائِمةِ التَّكليف، وليسَ إخباراً مُستَأنَفاً: هذه القائِمةُ التي مَرَّت هي مَضمونُ التَّفضيلِ الذي يُراجَعُ الآنَ أَصحابُه بِه.

«فَضَّلتُكُم» من (ف ض ل): الفائِضُ المَوضوعُ لِيَمُرّ، لا الاصطِفاءُ الذي يُقصي

ومَدارُ (ف ض ل) في العَرَبيّةِ على الزِّيادةِ على المِقدارِ المَطلوب، لا على الاصطِفاءِ الذي يَستَبعِدُ غَيرَه. و«الفَضلُ» ما يَتَبَقّى بَعدَ الكِفايةِ، ومِنه «فَضلُ الطَّعامِ» لِما يَتَبَقّى بَعدَ الشِّبَع، و«الفاضِلُ» مِن كُلِّ شَيءٍ ما لا يَحتاجُه صاحِبُه لِنَفسِه. فَحينَ يَقولُ النَّصُّ «فَضَّلتُكُم» فَهُو يُقَرِّرُ أنَّه وَضَعَ في أَيديهِم فائِضاً يَزيدُ على حاجَتِهِم، لا أنَّه اصطَفاهُم بِذَواتِهم فَجَعَلَهُم فَوقَ غَيرِهِم في الأَصلِ. والفائِضُ بِطَبيعَتِه يُمَرَّرُ، فلا يُحجَزُ عَن غَيرِ صاحِبِه، ومالِكُه مُطالَبٌ بِتَسليمِه غَيرُ مُطالَبٍ بِه. ومِن هُنا يَنقَلِبُ التَّفضيلُ في بُنيتِه من مَنحةٍ ذاتيَّةٍ إلى أَمانةٍ تَوزيعيَّة: أُعطيتُم رُسُلاً وكِتاباً ومُلكاً وأَرضاً لِتُمَرِّروا ما بَقيَ من كِفايةٍ إلى مَن حَولَكُم دونَ أن تَستَأثِروا بها في دائِرَتِكُم.

ولِذَلك يَشتَدُّ العِتابُ في مَواضِعَ أُخرى على بَني إسرائيلَ، لِأَنَّ الفائِضَ الذي أُودِعَ في أَيديهِم لِيَمُرَّ احتَبَسَ عِندَهُم فَصارَ ثَقيلاً، وليسَ لِأَنَّهُم مَلعونونَ في ذَواتِهِم. والفائِضُ إذا احتُبِسَ تَعَفَّنَ في وِعائِه، وصارَ شَرَفاً يُفتَخَرُ بِه بَينَ العَشائِر، بَدَلَ أن يَكونَ حِصَّةً تُسَلَّمُ إلى أُمَمٍ مُجاوِرَةٍ تَنتَظِرُها.

«على العالَمين» من (ع ل م): أَقرانٌ في زَمَنٍ واحِدٍ لا كُلُّ البَشَرِ عَبرَ التّاريخ

و«العالَمُ» في لُغةِ القُرآنِ غَيرُ مُرادِفٍ لِـ«العالَمِ» في الاستِعمالِ المُعاصِرِ الذي يَشمَلُ كُلَّ المَسكونة. و«العالَمُ» من جذر (ع ل م) يَحمِلُ مَعنى ما يُعرَفُ بِعَلامة، أي مَجموعةٍ مُتَمَيِّزةٍ بِسِماتٍ تُعرَفُ بِها، لَها بِدايةٌ ونِهايةٌ وحُدودٌ تَفصِلُها عَن سِواها. والجَمعُ «العالَمون» يَدُلُّ على جَماعاتِ النّاسِ في عَصرٍ واحِد، لا على كُلِّ البَشَرِ عَبرَ العُصور. والدَّليلُ السِّياقيُّ قائِم، فقد وَرَدَ في القُرآنِ اصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، والمُرادُ بِه بَيانُ مَوقِعِ المُصطَفاةِ بَينَ نِساءِ زَمَنِها، ولم يُرَدْ بِه إخراجُ نِساءِ الأَجيالِ التّاليةِ من مَيدانِ الاصطِفاء.

فَالتَّفضيلُ إذن مَوقوتٌ بِظَرفِه، فقد كانَ بَنو إسرائيلَ في زَمَنِهم أُمَّةً تَحمِلُ نِعمةً فائِضةً لا تَحمِلُها الأَقوامُ المُحيطةُ بِهم في زَمَنِهم، ولَم يَكُن ذلك تَفضيلاً على مَن جاءَ بَعدَهُم مِنَ الأُمَم. وبِهَذا يَتَحَرَّرُ فَهمُ الآيةِ من تَصَوُّرَينِ مُتَقابِلَينِ كِلاهُما خاطِئ: تَصَوُّرِ تَفضيلٍ دائِمٍ يَمتَدُّ إلى يَومِ الدِّين، وتَصَوُّرِ نَقدٍ دائِمٍ يَنسِبُ إلى القَومِ صِفاتٍ لا تَنفَكُّ عَنهم.

«اذكُروا» من (ذ ك ر): الاستِحضارُ الذي يَلزَمُه عَمَل

وقد تَقَدَّمَ في الآيةِ (40) أنَّ «ذَكَرَ» في الجَذرِ (ذ ك ر) غَيرُ مُرادِفٍ لِـ«تَذَكَّرَ» النَّفسيّ. والذِّكرُ استِحضارٌ يَنعَقِدُ مَعَه الفِعل، ومِنه «الذِّكرى» لِلمُذَكِّر. وتَكرارُ الأَمرِ «اذكُروا» في هذا المَقامِ بَعدَ نَسَقٍ كامِلٍ من التَّكاليفِ إشارةٌ إلى أنَّ ذِكرَ النِّعمةِ لا يَتِمُّ بِاستِحضارِ اللَّفظِ وَحدَه، وليسَ تَكراراً بَلاغيّاً، وتَمامُه بِتَمريرِ الفائِض: كُلَّما مَرَّرَ صاحِبُ الفائِضِ شَيئاً مِنه كانَ ذلك ذِكراً عَمَلياً، وكُلَّما احتَبَسَه كانَ ذلك نِسياناً سُلوكياً وإن ذَكَرَه بِلِسانِه.

وفي هذا النَّسَقِ يَظهَرُ لِمَ تَنتَقِلُ صِيغةُ النِّداءِ في مَوضِعٍ آخَرَ من القُرآنِ من «يا بَني إسرائيلَ» إلى «يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا»، ففي الأَولى نِداءٌ على أَساسِ نَسَبٍ ثُمَّ تَكليف، وفي الثانيةِ نِداءٌ على أَساسِ فِعلٍ ثُمَّ تَكليف. وقَد رُسِمَ الانتِقالُ لِيُؤَكِّدَ أنَّ حامِلَ الفائِضِ دَورٌ، وليسَ نَسَباً، فَحينَ يَقومُ بِالدَّورِ نَسَبٌ حَمَلَه النَّسَب، وحينَ يَقومُ بِه غَيرُ نَسَبٍ حَمَلَه ذلك الغَير. ومِن هُنا اشتُرِطَ على الأُمّةِ المُخاطَبةِ في مَوضِعٍ آخَرَ شَرطٌ صَريحٌ لِبَقاءِ الخَيريّة: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، فهي خَيريَّةٌ مَعَ فِعل، ساقِطةٌ بِسُقوطِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الفَضلُ» فائِضٌ وُضِعَ لِيَمُرّ، لا اصطِفاءٌ يَختَزِنُه أَصحابُه، و«العالَمون» أَقرانُ الزَّمَنِ الواحِد، وليسوا كُلَّ البَشَرِ عَبرَ التّاريخ، و«النِّعمة» طَريقٌ لُيِّنَ لِأَصحابِه لِيَكونوا مَمَرّاً لِمَن حَولَهُم، وهي غَيرُ امتِيازٍ ذاتيّ، و«الذِّكرُ» تَمريرٌ باليَدِ، وليسَ تَرديداً باللِّسان. فَحينَ يَنقَلِبُ الفائِضُ إلى مِلكيَّةٍ يَحتَبِسُ فيها أَصحابُها يَنتَقِلُ التَّكليفُ إلى مَن يَقومُ بِالدَّورِ بَعدَهُم، ولا يَسقُط.


حَصيلة

تُعادُ صياغَةُ النِّداءِ الأَوَّلِ من الآيةِ (40) مَعَ إضافَةٍ كاشِفَة: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فالآيتانِ (40) و(47) قَوسانِ يُحيطانِ بِالتَّفصيلِ بَينَهُما، وكُلُّ ما جاءَ من أَوامِرَ ونَواهٍ هو مَضمونُ التَّفضيلِ الذي يُراجَعُ أَصحابُه به. و(ف-ض-ل) في العَرَبيَّةِ فائِضٌ يَزيدُ على الكِفاية، وليسَ اصطِفاءً ذاتِياً يُقصي غَيرَه، فما أُعطِيَ حِصَّةٌ وُضِعَت في يَدٍ لِتَمُرَّ إلى من يَنتَظِرُها، غَيرُ نَصيبٍ للادِّخار. و«عالَمين» أَقرانُ الزَّمَنِ المُحَدَّد دونَ كُلِّ البَشَرِ عَبرَ التّاريخ، فالتَّفضيلُ نِسبيٌّ مُقيَّدٌ بِزَمَن، وليسَ مُطلَقاً مَفتوحاً. ومَن أَساءَ فَهمَ الفَضلِ فَادَّعاه خاصِّيَّةً ذاتِيَّةً حَوَّلَ الأَمانَةَ التَّوزيعِيَّةَ إلى احتِكار، والفائِضُ حينَ يَحتَبِسُ في وِعائِه يَتَعَفَّنُ فيه، فيَنقَلِبُ من شَرَفِ الحَمّالِ إلى ثِقَلِ المُحتَكِر. والتَّفضيلُ وَقودٌ للمَهَمَّة، فَإن أُمسِكَ في يَدِ صاحِبِه دونَ أن يَتَحَوَّلَ إلى أَداءٍ انقَلَبَ وَبالاً بِقَدرِ ما كانَ مَنحَة.