البقرة · الآية 78

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

«أُمِّيُّونَ» جَذرُ (أ م م): لا جَهلُ الحَرف، بَل عَدَمُ التَّلَقّي

والأُمّيُّ في لُغةِ القُرآنِ مَن لَم يُؤتَ كِتاباً مُنَزَّلاً، وليسَ مَن لا يَقرَأُ ولا يَكتُب. والدَّليلُ الصَّريحُ قَولُ الفَريقِ نَفسِه: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، فجَعَلوا «الأُمّيّين» مُقابِلاً لِأهلِ الكِتابِ لا مُقابِلاً لِلكَتَبة. ومن هُنا يَصِحُّ وَصفُ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، أي النَّبيِّ الذي من أُمّةٍ لم يَسبِقْ إلَيها كِتاب. والآيةُ إذَن تَرسُمُ طَبَقةً داخِلَ أهلِ الكِتابِ بَقِيَت على حالِ مَن لَم يَتَلَقَّ، على وُجودِ الكِتابِ بَينَ أيديها، ولا تَصِفُ جَهلَ الحَرف.

«إِلَّا أَمَانِيَّ» (م ن ي): النَّصُّ يُستَبدَلُ بِصورَتِهِ في الذِّهن

والجَذرُ (م ن ي) يَدورُ على التَّقديرِ والتَّقَدُّر، وهو ما يُمنى في القَلب، أي ما يُصاغُ في البِنيةِ الدّاخِليّة. ومِنه الأُمنيّة، ومِنه التَّمَنّي بِمَعنى القِراءةِ التي تُجري الصَّوتَ على ما في النَّفس، كما في إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (أي في قِراءَتِه). و«إلّا» هُنا استِدراكيّة، بِمَعنى «لَكِن»، والمَعنى: لا عِلمَ لَهُم بِالكِتاب، لَكِنَّ الذي عِندَهُم مُجَرَّدُ تِلاوةٍ تَسري على صورةٍ رَسَموها في أذهانِهِم. والنَّصُّ قائِمٌ بَينَ أيديهِم، غَيرَ أنَّ الذي يَعلَمونَه صورَتُه في المُخَيِّلة، لا هو نَفسُه.

«وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» (ظ ن ن): ظَنٌّ بِلا رَبطٍ في مُقابِلِ الظَّنِّ المُستَقِرّ

ويَستَعمِلُ القُرآنُ الجَذرَ (ظ ن ن) في سياقَينِ مُتَضادَّين: في مَوضِعِ المَديحِ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، وهو حُضورٌ داخِليٌّ مُستَقِرٌّ يَنفُذُ إلى عُمقِ الوَعي، وفي مَوضِعِ الذَّمِّ، كهذه الآية، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وهو تَأَرجُحٌ مُنقَطِعٌ عن أيِّ رَبط. فالفَرقُ في الجِهةِ التي يَنفُذُ إلَيها، لا في اللَّفظ: إن نَفَذَ إلى أصلٍ أثبَتَ اليَقين، وإن نَفَذَ إلى صورةٍ مَرسومةٍ في النَّفسِ أنتَجَ الوَهم.

الأُمّيّةُ الحَديثة: تِلاوةٌ بِلا تَدَبُّر

والآيةُ تَصِفُ نَمَطاً يَتَكَرَّر، ولا تُؤَرِّخُ فَريقاً انقَضى، وهو نَمَطُ مَن يَملِكُ النَّصَّ ولا يَعلَمُه إلّا تِلاوةً جاريةً على صورَتِه المُسبَقةِ في نَفسِه. والقاعِدةُ واضِحةٌ في الخِطابِ القُرآنيّ: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾، فالكِتابُ يَمنَحُ نَفسَه لِلأخذِ بِقُوّةٍ تَكسِرُ الصّورةَ المُسبَقةَ وتُعيدُ رَبطَ المَعنى بِأصلِه، ولا يَمنَحُها لِلتَّمَنّي. وحَيثُ تَغيبُ هذه القُوّةُ تَبقى الأُمّيّةُ قائِمةً فَوقَ المُصحَف.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الأُمّيّ» فاقِدُ التَّلَقّي لا فاقِدُ الحَرف، و«الأمانيّ» تِلاوةٌ تَجري على صورةٍ في الذِّهن، وليسَت أحلاماً، و«الظَّنُّ» هُنا تَأَرجُحٌ مَقطوعٌ عن أصل.


حَصيلة

بَعدَ فَريقِ العُلَماءِ الذينَ حَرَّفوا وهُم يَعلَمون (آية 75) يَأتي وَصفُ فِئةٍ ثانية: أُمِّيُّونَ من أ-م-م. والأُمِّيُّ في لِسانِ القُرآنِ مَن لَم يَتَلَقَّ كِتاباً مُنَزَّلاً، وليسَ مَن لا يَقرَأ، كما أنَّ النَّبيَّ وُصِفَ بِـ«الأُمِّيِّ» لأنَّه من أُمّةٍ لم يَسبِقْ إلَيها وَحي، لا لِجَهلِ الحَرف. وهؤلاءِ يَملِكونَ النَّصَّ مادّيّاً، لَكِنَّهُم يَتَعامَلونَ مَعَه بِـ«أَمانيّ» من م-ن-ي، وهي ما يَتَشَكَّلُ في الباطِنِ صورةً مُحَبَّبةً ثُمَّ تَجري عَلَيها التِّلاوة. والنَّصُّ مَوجودٌ والقِراءةُ تَجري، ولكِنَّ ما يُقرَأُ هو الصّورةُ التي رَسَمَها الذِّهنُ لا النَّصُّ بِنَفسِه. والظَّنُّ من ظ-ن-ن في هذه الآيةِ بِخِلافِ مَوضِعِ المَديحِ في الآيةِ 46 (الظَّنُّ بِلِقاءِ الرَّبّ): هُناكَ حُضورٌ داخِليٌّ مُستَقِرٌّ يَنفُذُ إلى عُمقِ الوَعي، وهُنا تَأَرجُحٌ مَقطوعٌ عن أيِّ رَبط، والفَرقُ في الجِهةِ التي يَنفُذُ إلَيها، وليسَ في اللَّفظ. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الأُمِّيّةُ في القُرآنِ غِيابُ التَّلَقّي لا غِيابُ الحَرف، والأمانيُّ تِلاوةٌ تَجري على صورةٍ ذِهنيّةٍ لا على النَّصِّ بِعَينِه، وخُلاصةُ الخَطَرِ أنَّ المُصحَفَ في اليَدِ والفَجوةُ بَينَه وبَينَ القَلبِ كَبيرة.