البقرة · الآية 79

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ

«وَيْلٌ» جَذرُ (و ي ل): وَصفُ انحِدار، لا دُعاءٌ ولا وادٍ بِعَينِه

وأصلُ (و ي ل) إحاطةٌ مُتَّصِلةٌ تَلتَفُّ بِصاحِبِها ولا تُفلِتُه. والوَيلُ في القُرآنِ وَصفٌ لِحالٍ قائِمة، وليسَ دُعاءً يُلقى من الخارِج، وهو دَوَرانٌ سَيِّئٌ يَنحَدِرُ بِالإنسانِ إلى مَوضِعِ سُقوط. وحَصرُه في مَوضِعٍ مُسَمًّى تَضييقٌ لِلمَعنى، فهو في أصلِه حالةُ مَعيشةٍ ضَنكٍ قد تَبدَأُ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾، ودائِرةُ السَّوءِ تُحيطُ بِصاحِبِها: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾. فالوَيلُ بُؤرةٌ داخِليّةٌ تَسحَبُ كُلَّ ما يَنزِلُ فيها.

«يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ» (ك ت ب): التَّصنيعُ اليَدَويُّ قَبلَ النِّسبَةِ الزّائِفة

ومَدارُ (ك ت ب) على الجَمعِ والتَّثبيت. والآيةُ تَقسِمُ الفِعلَ إلى طَبَقَتَين: تَصنيعٌ مادّيٌّ بِاليَد، ثُمَّ نِسبةٌ إلى مَصدَرٍ أعلى. و«بِأَيْدِيهِمْ» تَأكيدٌ أنَّ النَّصَّ صَنيعُهُمُ المَحض، لا نَسخٌ ولا رِواية، و«هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» بَعدَه رَفعٌ لِلقيمةِ في السّوق. والجَريمةُ المَوصوفةُ تَأليفٌ ونِسبةٌ كاذِبة، أي إنتاجُ كِتابٍ ووَضعُ خَتمٍ إلهيٍّ عَلَيه، وليسَت نَسخَ نَصٍّ قائِمٍ بِخَطَأ. وهذا أشَدُّ من تَحريفِ سياقٍ كما في الآياتِ السّابِقة، لأنَّه يَنتَقِلُ من إمالةِ المَعنى إلى اختِلاقِ النَّصّ.

«لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا»: كُلُّ ثَمَنٍ دُنيَويٍّ قَليل

والثَّمَنُ القَليلُ لا يَنحَصِرُ في المال، فمِنه الرِّئاسةُ وتَعظيمُ النّاسِ والجاهُ الاجتِماعيّ، والمَوقِعُ على مِنبَرٍ أو مَنَصّة، أو مُجَرَّدُ الحِفاظِ على الهَيبةِ أمامَ الأتباع. وكُلُّ ثَمَنٍ دُنيَويٍّ قَليلٌ قِياساً بِما بيعَ فيه، لأنَّ المَبيعَ هُنا كَلامُ اللهِ نَفسُه، وليسَ سِلعة. ومَتى تَقَبَّلَ الإنسانُ أن يَرفَعَ قيمةَ كَلامِه بِنِسبَتِه إلى اللهِ لِيُحَقِّقَ كَسباً فقَدِ اشتَرى بِما لا يَملِك، وكُلُّ عُملةٍ يَتَقاضاها قَليلة.

«فَوَيْلٌ … وَوَيْلٌ»: انحِدارٌ عَلى التَّصنيعِ وانحِدارٌ عَلى الكَسب

وتَذكُرُ الآيةُ الوَيلَ مَرَّتَين: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ على الفِعلِ نَفسِه، ثُمَّ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ على الأثَرِ الذي يَحصُدونَه مِنه. والجَذرُ (ك س ب) يَدُلُّ على ما يُجمَعُ بِسَعيٍ ويَبرُزُ في الحَياة. فالوَيلُ يَجري في الأثَرِ المُتَراكِم، ولا يَقتَصِرُ على يَومٍ بَعيد: كُلُّ مُستَفيدٍ من النَّصِّ المَنسوبِ زوراً، وكُلُّ جيلٍ يُبنى على تِلكَ البِنية، وكُلُّ قَرارٍ يُتَّخَذُ بِمُقتَضاها يُضيفُ إلى الكَسبِ ويُضيفُ إلى الوَيل. و«مِمّا» تَرسُمُ العِلاقةَ السَّبَبيّة، فالانحِدارُ من عَينِ الفِعل، لا عُقوبةٌ عَلَيه.

النَّمَطُ لا يَنقَضي: كُلُّ تَأليفٍ يُنسَبُ إلى السَّماء

ونَمَطُ الآيةِ يَتَكَرَّر، ولا يَقِفُ عِندَ طَبَقةٍ قَديمةٍ من كَتَبةٍ تُؤَرِّخُ لَها: أن يُصَنَّعَ نَصٌّ بَشَريٌّ ثُمَّ يُرفَعَ مَقامُه بِنِسبَتِه إلى الوَحي، سَواءٌ أكانَ كِتاباً دينيّاً، أم فَتوى شَخصيّة، أم خِطاباً ثَقافيّاً. والقاعِدةُ التي تُؤَسِّسُها الآيةُ واضِحة: قيمةُ النَّصِّ تَرجِعُ إلى مَصدَرِه، لا إلى ما يَدَّعيه كاتِبُه. وكُلُّ مَن حاوَلَ رَفعَ قيمةِ عَمَلِه بِتَلبيسِه ثَوبَ اللهِ فقد أدخَلَ نَفسَه في الدّائِرةِ التي وَصَفَتها الآية.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الوَيلُ» دائِرةُ انحِدارٍ لا دُعاء، و«كِتابُ الأيدي» تَصنيعٌ قَبلَ نِسبةٍ زائِفة، و«الثَّمَنُ القَليلُ» كُلُّ ما يُشتَرى بِه كَلامُ اللهِ مَهما بَدا كَبيراً.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ آلِيّةً لا شَخصاً بِعَينِه: يُكتَبُ نَصٌّ بِاليَد، ثُمَّ يُنسَبُ إلى «عِندِ الله» لِتَرتَفِعَ قيمَتُه في السّوق. والوَيلُ من و-ي-ل وَصفُ حالٍ لا دُعاءٌ مُجَرَّد، وهو إحاطةٌ مُتَّصِلةٌ تَلتَفُّ بِصاحِبِها ولا تُفلِتُه، كأنَّه يَعيشُ في دَوَرانِ سُقوطٍ مُستَمِرّ. والكِتابةُ من ك-ت-ب جَمعٌ وتَثبيت، فـ«يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ» تَأكيدٌ أنَّ النَّصَّ صَنيعُهُمُ المَحضُ لا نَسخٌ ولا رِواية. والجَريمةُ المَوصوفةُ تَأليفٌ ونِسبةٌ كاذِبة، وليسَت تَحريفَ سياقٍ كما في الآيةِ 75، وهذا أشَدّ، لأنَّه انتِقالٌ من إمالةِ المَعنى إلى اختِلاقِ النَّصّ. والثَّمَنُ القَليلُ لا يَنحَصِرُ في مال، ويَدخُلُ فيه الرِّئاسةُ والجاهُ الاجتِماعيُّ والمَوقِعُ على مَنَصّة، وكُلُّ ثَمَنٍ دُنيَويٍّ قَليلٌ قِياساً بِما بيع، لأنَّ المَبيعَ هو كَلامُ اللهِ ذاتُه. والوَيلُ مُكَرَّرٌ مَرَّتَين: مِمّا كَتَبَتِ الأيدي (الفِعلُ ذاتُه)، ومِمّا يَكسِبون (الأثَرُ المُتَراكِمُ الذي لا يَنتَهي بِانتِهاءِ النَّصِّ الواحِد). والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الوَيلُ دائِرةُ انحِدارٍ لا دُعاء، وكِتابُ الأيدي تَصنيعٌ قَبلَ نِسبةٍ زائِفة، وقيمةُ النَّصِّ تَرجِعُ إلى مَصدَرِه لا إلى ما يَدَّعيه كاتِبُه.