الفيل · الآية 2

﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ

«جَعَلَ»: لا الإهلاكُ المُباشَر، بل التَّحويلُ في حالٍ

«جَعَلَ» في العربيّةِ فِعلٌ خاصّ: ليس مُجَرَّدَ «فَعَلَ»، ولا «خَلَقَ»، ولا «صَنَعَ». «جَعَلَ» تَنقُلُ شَيئاً إلى حالٍ جَديدة. تَأخُذُ المَوجودَ وتَضَعُه في صورةٍ مُغايِرة. ولذلك تَأتي في القُرآنِ في مَواضِعِ التَّحويل: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: لا إنشاءٌ من عَدَم، بل وَضعٌ في صورة.

وفي آيتِنا: لم يَقُل «أَهلَكَ كَيدَهم» ولا «دَفَعَ كَيدَهم»، قال «جَعَلَ كَيدَهم في تَضليل». الكَيدُ نَفسُه باقٍ، لم يُمسَ في صورتِه. لكنَّه نُقِلَ إلى حالٍ تُفسِدُ مَفعولَه: «في تَضليل». المَركَبُ الذي بَنَوهُ لم يَنكَسِر، لكنَّه صارَ يَسيرُ بهم في غَيرِ ما يَقصِدون. السَّيفُ في يَدِ الجَلّاد، لكنَّ الضَّربةَ نَزَلَت على رَأسِه.

وهذا أَدَقُّ ما يَكونُ في رَدِّ الكَيد: لا أن تَكسِرَ السِّلاحَ، بل أن تَضَعَه في صورةٍ يَنقَلِبُ فيها على صاحبِه. وهذه دَرَجةٌ من التَّدبيرِ لا تَكونُ إلّا لمَن يَملِكُ الحالَ كلَّها، يُمسِكُ الفِعلَ والفاعِلَ والأَثرَ في قَبضَةٍ واحدة.

«كَيدَهم»: الخُطَّةُ المَبنيّة، لا الغَضَبُ العابِر

الكَيدُ في الجِذرِ العربيِّ (ك-ي-د) عَملٌ مُهَندَسٌ يَلتَوي. ليس انفعالاً يَنفَجِرُ في لحظة، بل تَدبيرٌ يَنبَني خُطوةً خُطوة. ولذلك يُقالُ في العربيّةِ «كادَ يَكيدُ كَيداً» للحَيَوانِ والإنسانِ، فيما يَتَطَلَّبُ الصَّبرَ والتَّخطيط. والقُرآنُ يَستَعمِلُ هذا اللَّفظَ في مَواطِنِ الخُطَطِ المُتَأَنّيَة، لا في مَواطِنِ الغَضَبِ العاجِل.

أصحابُ الفيلِ لم يَأتوا في انفعال. كانَ بَينَهم وَبَين البَيتِ مَسافةٌ تَستَلزِمُ التَّجهيزَ والتَّموينَ والقيادة. وكلُّ هذا «كَيدٌ» في لِسانِ القُرآن. والآيةُ تُشيرُ إلى هذه الخُطَّةِ بأَكمَلِها: لم يَقُل «جَيشَهم»، ولا «حَملاتِهم»، بل «كَيدَهم»، أي البِنيةَ المَدروسةَ التي يَتَحَرَّكونَ بها.

وفي البَقَرَةِ يَتَردَّدُ هذا المَعنى في مَواضِعِ المُنافِقين الذين يَبنونَ خِطاباً مُزدوجاً: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. التَّدبيرُ الباطِنيُّ لا يُكسَرُ بضَربةٍ من خارج، بل يُمَدُّ في امتدادِه حتّى يَأكُلَ نَفسَه. الفاتحةُ تَستَعيذُ من «الضَّالّين» وَالبَقَرَةُ تَريكَ كَيفَ يَنزَلِقُ المُتَدَبِّرُ في تَدبيرِه. وهذه السورةُ تَختصِرُ المَشهَدَ في آيةٍ: كَيدٌ في تَضليل.

«في تَضليل»: لا «ضَلال»، بل صِيغةُ التَّضعيف

اللَّفظُ يَختارُ صيغةَ التَّفعيلِ على المَصدر، لا الاسمَ المُجَرَّدَ من الفِعل. «ضَلال» مَصدَرٌ مُجَرَّد، يَعني فُقدانَ الطَّريق. «تَضليل» على وَزنِ تَفعيل، فيه فِعلٌ مُتَعَدٍّ: شَيءٌ يُضِلُّ غَيرَه. والكَيدُ هنا لم يُجعَل «في ضَلال» (فُقدانٍ ساكِن)، بل «في تَضليل» (فِعلٍ يَستَهلِكُ صاحبَه).

الفَرقُ بَلاغيٌّ دَقيق. الضَّلالُ يَقعُ على المَرءِ من خارِج. التَّضليلُ يَخرُجُ من داخِلِ الخُطَّةِ نَفسِها فيَأكُلُها. كَأَنَّ الكَيدَ صارَ هو الذي يُضِلُّ صاحبَه. الفيلُ الذي رَكِبوهُ صارَ هو الذي يُتيهُ بهم. المَركَبُ الذي بَنَوهُ صارَ هو الذي يَدورُ بهم في غَيرِ ما قَصَدوا. لم يَتَدَخَّل أحدٌ من خارِج ليُضِلَّهم؛ كَيدُهم نَفسُه أَخَذَ يُضِلُّهم.

وهذا أَبلَغُ ما يَكونُ في الرَّدّ: أن يَنقَلِبَ تَدبيرُ المُدَبِّرِ على نَفسِه. لم يُكسَر، لم يُحطَّم، لم يُؤخَذ من يَدِه. وُضِعَ في حالٍ صار فيها هو الذي يَأكُلُه. ومَن أَصغى إلى الفَرقِ بَين «ضَلال» و«تَضليل» فَهِمَ ما أَرادَتهُ الآيةُ: لا أن يَضِلّوا، بل أن تُضِلَّهم خُطَّتُهم نَفسُها.


حَصيلة

وُضِعَ الكَيدُ في تَضليل، لكنَّ الآيةَ لا تَقولُ «أَفسَدَهُ» ولا «كَسَرَه». «جَعَلَ» (ج-ع-ل) نَقَلَه إلى حالٍ جَديدة. «الكَيدُ» (ك-ي-د) خُطَّةٌ تَتَدَرَّجُ بِأَناةٍ لا غَضَبٌ عابِر: أصحابُ الفيلِ لم يَأتوا في انفِعال، بل بِتَجهيزٍ وتَموينٍ وقيادَة. ثمّ جاءَ الفِعلُ المُحَوِّل: الخُطَّةُ المَبنيَّةُ بُنياناً مُتَأَنِّياً أُخِذَت ووُضِعَت في «تَضليل» (ض-ل-ل، وَزن تَفعيل). لا في «ضَلال» الساكِن، بل في «تَضليل» المُتَعَدّي: فِعلٌ يَخرُجُ من داخِلِ الخُطَّةِ نَفسِها فيَأكُلُها. السِّلاحُ لم يُكسَر من خارِج، وُضِعَ في حالٍ صار فيها هو الذي يَضرِبُ صاحِبَه. الكَيدُ المُهَندَسُ أَنضَجَ نَفسَه ضَلالاً، كما تَنضَجُ الحِجارةُ في نارِ مَن بَناها.