الفيل · الآية 1

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ

«أَلَم تَرَ»: نفيٌ يُقَرِّر، واستفهامٌ يَستَحضِر

«ألم» في العَرَبِيّةِ أداةٌ مُرَكَّبةٌ مِن هَمزةِ الاستِفهامِ و«لَمْ» حَرفِ النَّفيِ والجَزم، ظاهِرُها استِفهامٌ عن نَفي، وباطِنُها تَقريرٌ مُؤَكَّد. فحينَ يُقالُ «ألَم تَرَ كَذا» فالمُرادُ استِحضارُ أمرٍ قد تَقَرَّرَ في ذِهنِ المُخاطَب، دونَ السُّؤالِ عن رُؤيةٍ مَشكوكٍ فيها، والجَوابُ مَعروف، والسُّؤالُ بابُ تَنبيه.

والرُّؤيةُ هُنا غَيرُ بَصَرِيّة، و«الرُّؤيةُ» في الجِذرِ العَرَبِيِّ (ر-أ-ي) تَتَجاوَزُ البَصَرَ إلى رُؤيةِ القَلبِ والعِلم. ومَن قَرَأَ الكَلِمةَ على هذا الإصغاءِ سَمِعَها سُؤالاً لِلقَلب: ألا يَستَحضِرُ القَلبُ هذا كَأنَّه أمامَه؟

وفي القُرآنِ نَظائرُ كَثيرةٌ لِهذه الصّيغة، تَأتي حَيثُ يُرادُ تَثبيتُ القَلب، لا نَقلُ خَبَر. والمَشهَدُ الذي تَستَدعيه الآيةُ مَعلومٌ لِلمُخاطَبِ بِدَليلِ صيغةِ السُّؤالِ نَفسِها، إذ لا يُقالُ «ألَم تَرَ» إلّا لِمَن يَعرِف، والسُّؤالُ يَستَجلِبُ الذّاكِرةَ ليَجعَلَها أساسَ ما يَلي.

«فَعَلَ رَبُّكَ»: الفاعلُ المُربّي، لا المُنتَقِم

والفِعلُ مَنسوبٌ إلى «رَبِّك»، وفي ذلك لُطفٌ خَفِيّ، فلو جاءَ «فَعَلَ اللهُ» لكانَ في اللَّفظِ بَيانُ المَصدَرِ المُطلَق، ولو جاءَ «فَعَلَ الجَبّارُ» لكانَ في اللَّفظِ شَحنةُ القَهر، وقد أوثِرَ عَلَيهِما «رَبُّك»، وهو المُتَعَهِّدُ بِالنُّمُوّ، الذي يَأخُذُ المُخاطَبَ مِن بَذرَتِه إلى تَمامِه. والذي يَتَعَهَّدُ المُخاطَبَ هو الذي تَوَلّى رَدَّ الكَيدِ بِنَفسِه.

ولاختيارِ «فَعَلَ» على غَيرِه مِنَ الأفعالِ دَلالةٌ أُخرى، فالفِعلُ في العَرَبِيّةِ أداءٌ يَخرُجُ مِنَ الذّاتِ ويُؤَثِّرُ في غَيرِها، وقد تَكَرَّرَ هذا اللَّفظُ في القُرآنِ في مَواضِعِ الإنجازِ والتَّحَدّي، كما في قَولِه فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾، وفيه العَجزُ المُطلَقُ في مُقابِلِ الفِعلِ المُحَقَّق. وكذلك هُنا: فَعَلَ رَبُّك ما لم يَستَطِعْ أحَدٌ أن يَفعَلَه.

«أَصحابُ الفيل»: تَسميةٌ تَختَزِلُ غُرورَ القُوّة

والصُّحبةُ في الجِذرِ العَرَبِيِّ (ص-ح-ب) رابِطةٌ صُلبةٌ تَظهَر، لا تَلامُسٌ عابِر، والصّاحِبُ مَن لازَمَ صاحِبَه ومَن لازَمَه صاحِبُه. وتَسمِيةُ الجَيشِ «أصحابَ الفيل» تَعني أنَّ هُوِيَّتَهُم انعَقَدَت على هذا الكائِن: مَشى ومَشَوا، ووَقَفَ ووَقَفوا، وقد ظَنّوا أنَّهُم يَستَنفِرونَه، فإذا بِه يُسَمّيهِم.

ويَختارُ القُرآنُ هذه التَّسمِيةَ ولا يَذكُرُ أسماءَ القادةِ ولا أسماءَ الأقوام، لأنَّ الذي تَتَكَلَّمُ السّورةُ عَلَيه غَيرُ شَخصٍ بِعَينِه، فهو حالُ مَن يَتَّكِئُ على قُوَّةٍ ظاهِرة. والقُوّةُ التي ظَنّوا أنَّها تَحميهِم صارَت اسمَهُم، وحينَ سَقَطَتِ القُوّةُ سَقَطَ الاسمُ مَعَها، وهكذا يَقطَعُ القُرآنُ الأسماءَ التي تَتَّكِئُ على غَيرِ رَبِّ الأسماء.

ومَن أصغى إلى «أَصحابِ الفيل» فَهِمَ كَيفَ تُسَمّينا أدَواتُنا حينَ نَتَّكِئُ عَلَيها بَدَلاً مِن أن نَتَّكِئَ على ما هو أعلى، فما يَتَّبِعُه المَرءُ يَصيرُ اسمَه، ومَن صارَ الفيلُ اسمَه صارَ مَصيرُه مَصيرَ الفيل.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السّورةُ بِسُؤالٍ يَستَحضِرُ المَشهَدَ ولا يَنقُلُ خَبَراً، و«أَلَم تَرَ» (ر-أ-ي) رُؤيةُ قَلبٍ لا رُؤيةُ عَين، تُقَرِّرُ ما لا يُنكَر. والفاعِلُ «رَبُّك»، المُتَعَهِّدُ بِالنُّمُوّ، الذي يُرَبّي المُخاطَب، وأوثِرَ على «الجَبّار» و«المُنتَقِم»، وقد تَوَلّى رَدَّ كَيدِهِم بِنَفسِه. وسُمِّيَ الجَيشُ بِما ظَنَّه قُوَّتَه دونَ قائِدِه: «أصحابُ الفيلِ» (ص-ح-ب)، والصُّحبةُ رابِطةٌ صُلبةٌ ظاهِرة، فقد لازَموا الفيلَ فصارَ اسمَهُم، والكائِنُ الذي اتَّكَؤوا عَلَيه هو الذي وَسَمَهُم في كِتابِ الحَدَث. ومَن يَتَّكِئُ على قُوّةٍ ظاهِرةٍ يُعَرِّفُه القُرآنُ بِها لا بِنَسَبِه. و«فَعَلَ» (ف-ع-ل) إنجازٌ يَخرُجُ مِنَ الذّاتِ ويَتَعَلَّقُ بِأثَر، فرَبُّك فَعَلَ ما لا يَستَطيعُه جَيشٌ ولا فيل. والآيةُ سُؤالٌ يَفتَحُ بابَ الذّاكِرة، والذّاكِرةُ تَفتَحُ بابَ ما بَعدَها.