الفيل · الآية 3

﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ

«أَرسَلَ»: السَّيرُ المُتَّصِلُ نَحوَ مَقصِد

الإرسالُ في العَرَبِيّةِ تَسييرٌ مُتَّصِلٌ نَحوَ هَدَفٍ مُحَدَّد، ولا يَقِفُ عِندَ الإخراجِ مِن مَكان، ولِذلك يُسَمّى صاحِبُ الرِّسالةِ «رَسولاً»، وهو مَن يَجري سَرَيانَ المَوصولِ بِمَقصِدِه. والطَّيرُ في الآيةِ «مُرسَل»، أي مُسَيَّرٌ على خَطٍّ مَرسومٍ نَحوَ مَوضِعٍ مَعلوم.

وهذا يَكشِفُ بُعداً لا يُلتَقَطُ بِسُرعة، فالطَّيرُ لم يَأتِ صُدفةً ولا انتِهازاً، وكانَ مَوكولاً إلَيه أن يَأتيَ بِهذه الصّورة، إلى هؤلاءِ بِالذّات، في هذا الوَقتِ بِعَينِه. وفي قَولِه «عَلَيهِم» نَوعُ تَخصيص، فالطَّيرُ جاءَ على الجَيشِ يَنزِلُ عَلَيه، ولم يَأتِ على المَوضِعِ المَقصودِ يَحميه، والفاعِلُ نَفسُه نَقَلَ الإرسالَ مِنَ المَوضِعِ المَقصودِ إلى مَن قَصَدوه.

وفي القُرآنِ ضِدُّ هذا الإرسالِ إرسالٌ آخَرُ يَأتي رَحمةً لا نِقمة، اللَّفظُ نَفسُه والمَفعولُ مُختَلِف: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. والإرسالُ في يَدِه، إن شاءَ كانَ رَحمةً تَعُمّ، وإن شاءَ كانَ ضَربةً تَنزِل، والكَيدُ الذي قُصِدَ بِه ذلك المَوضِعُ استَدعى الإرسالَ على وَجهِه الثّاني.

«طَيراً»: الكائنُ الذي يَنطَبِقُ ثمّ يَمتَدّ

والطَّيرُ في الجِذرِ العَرَبِيِّ (ط-ي-ر) كائِنٌ يَنطَبِقُ جَناحاه ثُمَّ يَمتَدّان، ثُمَّ يَنطَبِقانِ ثُمَّ يَمتَدّان، في حَرَكةِ تَكرارٍ بَينَ قَبضٍ وانبِساط، وهذه الحَرَكةُ نَفسُها هي التي تَجعَلُ الطَّيرَ كائِناً قادِراً على الحَملِ والنَّقلِ في الجَوِّ رَغمَ خِفَّتِه.

وفي اختيارِ الطَّيرِ خاصّةً ليَنزِلَ بِهذه الحِجارةِ دَلالةٌ بَلاغِيّة، فلو نَزَلَتِ الحِجارةُ مِنَ السَّماءِ مُجَرَّدةً لكانَت آيةً قاهِرةً مَجهولةَ المَصدَر، لكِنَّها نَزَلَت في مِنقارِ كائِنٍ مَعلومٍ يُعرَفُ ويُسَمّى. والآيةُ مَكشوفةٌ في وَسائطِها: رَبٌّ يُرسِل، وطَيرٌ يَحمِل، وحِجارةٌ تَنزِل، والفاعِلُ واحِد، والوَسائطُ مُتَعَدِّدة، والأثَرُ مَرئِيّ.

وفي ذلك تَعليم، فالذي يَدفَعُ عنِ المَرءِ لا يَحتاجُ أن يَتَنَزَّلَ بِنَفسِه ليَدفَع، ويُسَخِّرُ ما هو أدنى مِنَ القُوّةِ التي يُتَّكَأُ عَلَيها لتَنكَسِرَ بِها. وقد سَلَّطَ على الفيلِ الطَّيرَ، ولم يُسَلِّطْ عَلَيه فيلاً أكبَر، فالجِنسُ مُختَلِف، والمَوقِعُ مُختَلِف، والنَّتيجةُ هي ذاتُها.

«أَبابيل»: الجَماعةُ المُتَتَابِعة، السَّربُ الذي يَتلو السَّرب

و«أَبابيل» مِن أغرَبِ ما في الكَلِمةِ القُرآنِيّة، وجِذرُها لا يَستَقِرُّ على وَجهٍ واحِد: أهِيَ جَمعٌ لا واحِدَ لَه، أم جَمعُ «إِبَّالة» (الحُزمة)، أم جَمعُ «إبِّيل»؟ وأكثَرُ ما تَلتَقي عَلَيه هذه الوُجوهُ أنَّ المَعنى يَدورُ على الجَماعةِ التي تَتلو الجَماعة، فهي أسرابٌ تَتَوالى، كُلَّما مَضى سَربٌ تَبِعَه آخَر، وليسَت سَرباً واحِداً كَثيفاً.

وهذه الصّورةُ بَليغة، فالكَيدُ المُهَندَسُ الذي بَنَوه في صَفٍّ واحِدٍ مُتَّسِقٍ يُقابِلُه طَيرٌ في أفواجٍ مُتَتالِية، والكَثرةُ التي ظَنّوا أنَّها لَهُم تَنزِلُ عَلَيهِم في صورةٍ أُخرى، هي كَثرةُ أسرابٍ غَيرُ كَثرةِ جُند. وكُلَّما رَفَعوا وُجوهَهُم إلى السَّماءِ ليَرَوا رَأَوا فَوجاً آخَرَ يَتلو الذي قَبلَه.

ويَحرِصُ القُرآنُ على هذه الصّورة، فأوثِرَ «أَبابيل» على «طَيراً كَثيراً» و«طَيراً مُجتَمِعاً»، والكَلِمةُ نَفسُها تَحمِلُ صورةَ التَّوالي، وكَأنَّ السَّماءَ صارَت تُمطِرُ أفواجاً، تُمطِرُ ثُمَّ تُمطِرُ ثُمَّ تُمطِر. والذي يَنظُرُ مِن تَحتُ يَعلَمُ أنَّ الأمرَ تَنَزُّلٌ مُنَظَّمٌ يُتلى على رُؤوسِهِم، وليسَ صُدفةً عابِرة.


حَصيلة

بَعدَ أن وُضِعَ الكَيدُ في تَضليل جاءَ الوَسيطُ الذي حَمَلَ الجَوابَ مِن فَوق، وهو طَيرٌ، دونَ جَيشِ مَلائكةٍ أو صَواعِقَ مِنَ السَّحاب. و«أَرسَلَ» (ر-س-ل) تَسييرٌ مُتَّصِلٌ نَحوَ مَقصِد، وهو اللَّفظُ نَفسُه المُستَعمَلُ لإرسالِ الرُّسُل: أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾، فهُناكَ رَجُلٌ يَحمِلُ كِتاباً، وهُنا طَيرٌ يَحمِلُ حِجارة. وجاءَ الطَّيرُ «نَكِرةً» لا تَحديدَ لِجِنسِه، فالمَقصودُ الفِعلُ لا التَّصنيف. ثُمَّ «أَبابيل»، جَمعٌ لا واحِدَ لَه، يَستَدعي صورةَ الجَماعاتِ المُتَتالِية، أفواجاً يَتلو بَعضُها بَعضاً، غَيرَ سَربٍ واحِدٍ كَثيف. والكَيدُ الذي بَنَوه صَفّاً قوبِلَ بِطَيرٍ يَنزِلُ صَفّاً صَفّاً، والقُوّةُ الثَّقيلةُ التي تَلزَمُ الأرضَ تُقابَلُ بِأرَقِّ ما يَطيرُ في الجَوّ، مُسَيَّراً مُسَدَّداً، لا عابِراً.