يس · الآية 15

﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ

«ما أنتُم إلّا بَشَرٌ مِثلُنا»: حَصرُ المُرسَلِ في جِنسِه لِرَدِّ رِسالتِه

أوَّلُ حُجَجِهِم حَصرٌ: «ما أنتُم إلّا بَشَرٌ مِثلُنا». و«البَشَر» (ب ش ر) من ظُهورِ البَشَرةِ وهي الجِلدُ الظاهِر، فَالبَشَرُ المَخلوقُ الذي تَظهَرُ بَشَرَتُه ويَأكُلُ ويَمشي. واحتِجاجُهُم أنَّ مُماثَلةَ الجِنسِ تَنفي إمكانَ الرِّسالة: كَيفَ يَكونُ رَسولاً مَن هو بَشَرٌ مِثلُنا؟ والخَلَلُ في الحُجّةِ أنَّ الرِّسالةَ ليست صِفةً في الجِنسِ بَل وَظيفةُ نَقلٍ تُحمَّلُ، فَكَونُهُم بَشَراً لا يُنافي كَونَهُم نَواقِلَ، كَما لا يُنافي كَونُ القَناةِ تُراباً أن يَجريَ فيها الماء.

«وما أنزَلَ الرَّحمنُ من شَيءٍ»: نَفيُ التَّنزيلِ نَفسِه

ثُمَّ نَفَوُا التَّنزيلَ من أصلِه: «وما أنزَلَ الرَّحمنُ من شَيء». واللّافِتُ ذِكرُهُمُ اسمَ «الرَّحمن» في إنكارِهِم — وهو الاسمُ نَفسُه الذي خُصَّ بِالخَشيةِ في «خَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيب» (آية ١١) — فَهُم يَعرِفونَ الاسمَ ويُنكِرونَ فِعلَه. ونَفيُ «من شَيء» نَفيٌ مُستَغرِق: لا تَنزيلَ أصلاً. وهذا يُناقِضُ مَطلَعَ السورةِ «تَنزيلَ العَزيزِ الرَّحيم» (آية ٥): فَجَوهَرُ خِصامِهِم إنكارُ أن يَصِلَ من السَّماءِ إلى الأرضِ شَيء، أي إنكارُ خَطِّ الإرسالِ الذي تَدورُ علَيه السورةُ كُلُّها.

«إن أنتُم إلّا تَكذِبون»: الخُلاصةُ اتِّهامٌ لا فَحص

خَتَموا بِحَصرٍ آخَر: «إن أنتُم إلّا تَكذِبون» — ما أنتُم إلّا كاذِبون. فَانتَهَوا من نَفيِ الجِنسِ والتَّنزيلِ إلى الحُكمِ على القائلينَ بِالكَذِب، دونَ نَظَرٍ في مَضمونِ القَول. وهذا تَكرارٌ لِسُنّةِ المُعرِضِ التي مَرَّت: يُكَذِّبُ صاحِبَ الخَبَرِ بَدَلَ أن يَزِنَ الخَبَر. ثَلاثُ دَعاوى مُتَتابِعةٍ كُلُّها حَصرٌ بِـ«إلّا»: حَصرُ المُرسَلِ في بَشَريّتِه، وحَصرُ السَّماءِ في صَمتِها، وحَصرُ القَولِ في كَونِه كَذِباً.


حَصيلة

يَرُدُّ أصحابُ القَريةِ بِثَلاثِ دَعاوى كُلُّها حَصرٌ بِـ«إلّا». الأُولى «ما أنتُم إلّا بَشَرٌ مِثلُنا»: حَصرُ المُرسَلِ في جِنسِه. و«البَشَر» (ب-ش-ر) من ظُهورِ البَشَرة، والمُماثَلةُ في الجِنسِ لا تَنفي وَظيفةَ النَّقل، فَالرِّسالةُ حِملٌ يُحمَلُ لا صِفةٌ في الطِّينة. والثانية «وما أنزَلَ الرَّحمنُ من شَيء»: نَفيٌ مُستَغرِقٌ لِلتَّنزيل، وهو نَقيضُ «تَنزيلَ العَزيزِ الرَّحيم» (آية ٥)، وجَوهَرُ خِصامِهِم إنكارُ أن يَصِلَ من السَّماءِ شَيء. واللّافِتُ ذِكرُهُمُ اسمَ «الرَّحمن» مَع إنكارِ فِعلِه. والثالثة «إن أنتُم إلّا تَكذِبون»: حُكمٌ على القائلِ لا فَحصٌ لِقَولِه، وهو سُنّةُ المُعرِضِ المُتَكَرِّرة.