النازعات · الآية 43

﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا

«فِيمَ أَنتَ»: جَوابٌ يَجيءُ سُؤالاً

سُئِلَ فلَم يُجِبْ بِخَبَر، إذ جاءَ ما بَعدَ السُّؤالِ سُؤالاً آخَر، والخِطابُ لم يَنصَرِفْ عن صاحِبِه، فالذي سُئِلَ في الآيةِ الأُولى هو الذي يُسأَلُ في هذه، غَيرَ أنَّ الجِهةَ تَغَيَّرَت، فقد كانَ السُّؤالُ عن مِيقات، فصارَ عن مَوقِع.

و«فِيمَ» كَلِمَتانِ التَحَمَتا: حَرفُ جَرٍّ ثُمَّ «ما» الاستِفهامِيّة، وإذا سَبَقَ «ما» الاستِفهامِيّةَ حَرفُ جَرٍّ سَقَطَت ألِفُها، فبَقِيَتِ الكَلِمةُ في المُصحَفِ مَقطوعةَ الآخِر، وبِحَذفِ حَرفٍ من أداةِ السُّؤالِ تَشتَدُّ الأداة.

و«أَنتَ» ضَميرٌ مَوضوعٌ بَينَ حَرفَي جَرٍّ: واحِدٌ قَبلَه والتَحَمَ بِأداةِ الاستِفهام، وواحِدٌ بَعدَه، ولا فِعلَ يَعمَلُ فيه ولا خَبَرَ يَحمِلُه سِوى ما اكتَنَفَه. فمَن سُئِلَ عن مِيقاتٍ ثُمَّ سُئِلَ عن مَوقِعِه فقد نُقِلَ من التَّقويمِ إلى المَقام.

«مِن ذِكْرَاهَا»: الذِّكرى ما يَقبِضُ على المَعنى فيَرُدُّه

و«مِن» هنا لِلتَّبعيض، فالمَسؤولُ عنه حَظُّ المُخاطَبِ من الذِّكرى، دونَ الذِّكرى كُلِّها. والحَظُّ لم يُسَمَّ في الآية، ولم تُصَرِّحِ الآيةُ بِأنَّه لا حَظَّ لَه، فقد اقتَصَرَت على الأداةِ الاستِفهامِيّة، فبَقِيَ السُّؤالُ قائِماً حتّى تُجيبَ الآيةُ التي بَعدَه.

و«ذِكْرَاهَا» من ذ-ك-ر، ومَعناه اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى ويُجريه في الزَّمَن، فهو إحضارٌ يُمسِكُ ما أحضَر، غَيرُ خاطِرٍ يَمُرُّ على السَّطحِ ثُمَّ يَزول. وصيغةُ «فِعلى» تَجعَلُها الأداةَ لا الفِعل، أي ما بِه يُستَحضَرُ الشَّيء.

وهذا الجِذرُ نَفسُه مَرَّ في السّورةِ قَبلَ ثَمانِ آيات: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾، فهُناكَ تَذَكُّرٌ يَقَعُ في اليَومِ نَفسِه، وهُنا ذِكرى يُسأَلُ عَنها قَبلَه، إذ الذِّكرى تَسبِقُ الوَقت، والتَّذَكُّرُ يَجيءُ بَعدَ فَواتِه.


حَصيلة

يُسأَلُ عن المِيقاتِ فيَجيءُ بَعدَ السُّؤالِ سُؤالٌ عن المَوقِع، والمُخاطَبُ واحِدٌ في المَوضِعَين. و«فِيمَ» كَلِمَتانِ التَحَمَتا وسَقَطَت ألِفُ «ما» بَعدَ حَرفِ الجَرّ، فبَقِيَت أداةُ السُّؤالِ مَقطوعةَ الآخِرِ تَشتَدُّ بِالحَذف. و«أَنتَ» ضَميرٌ مَوضوعٌ بَينَ حَرفَي جَرٍّ بِلا فِعلٍ يَحمِلُه، فصارَ المُخاطَبُ نَفسُه مَوضِعَ السُّؤال. و«مِن» تُبَعِّضُ فتَسأَلُ عن حَظٍّ لا عن كُلّ، والآيةُ لا تَنفي الحَظَّ ولا تُسَمّيه. و«ذِكْرَاهَا» من ذ-ك-ر، وهو اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى ويُجريه في الزَّمَن، فهي إحضارٌ يُمسِكُ لا خاطِرٌ يَمُرّ، وصيغةُ «فِعلى» تَجعَلُها أداةَ الإحضارِ لا فِعلَه. وقد نَطَقَتِ السّورةُ بِالجِذرِ نَفسِه تَذَكُّراً يَقَعُ في اليَومِ حينَ يَقَع، فصارَ لِلجِذرِ فيها وَجهان: ذِكرى تُعرَضُ قَبلُ، وتَذَكُّرٌ يُلجَأُ إلَيه بَعد، ويَبقى السُّؤالُ مَفتوحاً إلى الآيةِ التي تَليه.