النازعات · الآية 44

﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا

«إِلَىٰ رَبِّكَ»: خَبَرٌ يُقَدَّمُ فيَصيرُ حَصراً

قُدِّمَ الجارُّ والمَجرورُ على المُبتَدَإ، ولَو جاءَ الكَلامُ على تَرتيبِه المَألوفِ لَكانَ خَبَراً يُخبِرُ عن مَوضِع، فلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حَصراً، والمَعنى: هُناكَ، لا في سِواه.

و«إِلَىٰ» أداةُ انتِهاءِ غاية، فالحَرفُ نَفسُه يَحمِلُ ما سَيُسَمّيه الاسمُ بَعدَه: حَرفٌ يَنتَهي، ثُمَّ اسمٌ مَعناهُ الانتِهاء، فطَرَفا الجُملةِ يَقولانِ الشَّيءَ نَفسَه من جِهَتَين.

وقد وَقَعَت هاتانِ الكَلِمَتانِ بِعَينِهِما في هذه السّورةِ من قَبل: وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾، فهُناكَ غايةُ هِدايةٍ تُعرَضُ على مُخاطَب، وهُنا غايةُ ساعةٍ يُسأَلُ عَنها. والرَّبُّ في ر-ب-ب جَرَيانٌ مُلازِمٌ يَتَمَسَّكُ بِمَحَلِّه فلا يُفارِقُه، فالمُنتَهى مَوكولٌ إلى مَن لا يَنفَكُّ عمّا يَرُبُّه. والكافُ التي عَلِقَ بِها الطَّلَبُ في أوَّلِ المَقطَعِ هي الكافُ التي تَعودُ هُنا مُضافاً إلَيها الرَّبّ، فالمَسؤولُ هو المُخاطَبُ نَفسُه، والمُنتَهى إلى رَبِّه هو.

«مُنتَهَاهَا»: حَدٌّ يَقِفُ عِندَه الجاري

والجِذرُ ن-ه-ي حَبسٌ يَقِفُ عِندَ حَدٍّ ويَسري في مَن هو فيه، و«مُنتَهى» مَوضِعُ ذلك الوُقوفِ أو وَقتُه. فالمَسؤولُ عنه في أوَّلِ المَقطَعِ كانَ رُسُوّاً، والمَذكورُ هُنا وُقوفٌ عِندَ حَدّ، والرُّسُوُّ والانتِهاءُ صورَتانِ لِجَرَيانٍ يَبلُغُ آخِرَه.

وقد مَرَّ هذا الجِذرُ نَفسُه في السّورةِ قَبلَ أربَعِ آيات: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾، فهُناكَ إنسانٌ يَحبِسُ نَفسَه عِندَ حَدٍّ يَملِكُه، وهُنا حَدٌّ لا يَملِكُه أحَدٌ سِوى مَن نُسِبَ إلَيه، فذاكَ كَفٌّ يُستَطاعُ في الدّاخِل، وهذا مُنتَهىً لا يُستَطاعُ في الخارِج.

ثُمَّ الضَّميرُ المُتَّصِلُ في آخِرِ الكَلِمة، فقد ذُكِرَتِ السّاعةُ مَرَّةً واحِدةً في أوَّلِ المَقطَعِ ولم يُعَدِ اسمُها بَعدُ، وحَمَلَتها ضَمائِرُ مُتَتابِعةٌ آيةً بَعدَ آية: سُئِلَ عن مَوضِعِ رُسُوِّها، ثُمَّ عن حَظِّ المُخاطَبِ من ذِكراها، ثُمَّ ذُكِرَ أينَ مُنتَهاها. وما لا يُوَقَّتُ لا يُعادُ اسمُه، ويُعرَفُ بِأنَّه هي.


حَصيلة

يُقَدَّمُ الجارُّ والمَجرورُ على المُبتَدَإِ فيَنقَلِبُ الخَبَرُ حَصراً: هُناكَ لا في سِواه. وأداةُ الجَرِّ نَفسُها أداةُ انتِهاءِ غاية، فهي تَقولُ قَبلَ الاسمِ ما يَقولُه الاسمُ بَعدَها. والرَّبُّ من ر-ب-ب جَرَيانٌ مُلازِمٌ يَتَمَسَّكُ بِمَحَلِّه فلا يُفارِقُه، وكافُ الخِطابِ فيه هي كافُ المَسؤولِ في أوَّلِ المَقطَع، وقد سَبَقَتِ الكَلِمَتانِ بِعَينِهِما في هذه السّورةِ غايةً لِهِدايةٍ تُعرَض. و«مُنتَهَاهَا» من ن-ه-ي، وهو حَبسٌ يَقِفُ عِندَ حَدٍّ ويَسري في مَن هو فيه، فما سُئِلَ عن رُسُوِّهِ أُجيبَ عنه بِوُقوف، وهُما صورَتانِ لِجَرَيانٍ يَبلُغُ آخِرَه. وقد نَطَقَتِ السّورةُ بِالجِذرِ نَفسِه في إنسانٍ كَفَّ نَفسَه عن هَواها، فتَقابَلَ حَدٌّ يَضَعُه المَرءُ على نَفسِه وحَدٌّ لا يَضَعُه إلّا الرَّبّ. والضَّميرُ في آخِرِ الكَلِمةِ ثالِثُ ضَمائِرَ مُتَتابِعةٍ لِاسمٍ ذُكِرَ مَرَّةً واحِدةً ولم يُعَد.