النازعات · الآية 42

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا

«يَسْأَلُونَكَ»: طَلَبٌ يَتَعَلَّقُ بِالمَسؤولِ ولا يُسَمّي صاحِبَه

لم تَقُلِ الآيةُ مَن سَأَل. جاءَ الفِعلُ بِواوِ الجَماعةِ وَحدَها، فجَماعةٌ بِلا اسمٍ ولا حينٍ ولا مَجلِس. والقِراءةُ تَقِفُ حَيثُ وَقَفَتِ الآية.

والجِذرُ س-أ-ل جَرَيانٌ يَنبَثِقُ حادّاً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَن وُجِّهَ إلَيه. فالسُّؤالُ لَيسَ صَوتاً يَمُرُّ ثُمَّ يَنقَضي، بَل شَيءٌ يَعلَقُ بِالمَسؤولِ فلا يَنزِلُ عَنه حتّى يُجاب. والكافُ في آخِرِ الكَلِمةِ هي المَوضِعُ الذي عَلِقَ بِه.

وصيغةُ المُضارِعِ تَفتَحُ السُّؤالَ على التَّكرار: لا مَرَّةٌ واحِدةٌ وَقَعَت، بَل طَلَبٌ يُعاد. فالكَلِمةُ تَضَعُ الثِّقلَ على المُخاطَبِ لا على المَوعِد.

«عَنِ السَّاعَةِ»: قَبضةٌ على زَمَنٍ يَجري

الكَلِمةُ مُعَرَّفةٌ بِالألِفِ واللّام، فهي مَعهودةٌ بَينَ السّائِلِ والمَسؤول. عُرِّفَت ولم تُوَقَّت. التَّعريفُ يَقولُ إنَّهُم يَعرِفونَ ما يَسأَلونَ عنه، والسُّؤالُ يَقولُ إنَّهُم لا يَعرِفونَ مَتى.

والجِذرُ س-و-ع جَرَيانٌ مَوصولٌ يُقبَضُ عليه عِندَ مَوضِعٍ فيُقتَطَع. الزَّمَنُ يَسيلُ مُتَّصِلاً لا فاصِلَ فيه، فإذا وَقَعَت عليه قَبضةٌ صارَ ذلك المَقبوضُ ساعة. فالكَلِمةُ في حُروفِها قَبضةٌ على سائِل، لا جِرمٌ قائِمٌ بِنَفسِه يُنتَظَرُ قُدومُه من بَعيد.

ومَن سَمِعَ في الاسمِ جَرَياناً طَلَبَ لَه مَوضِعاً يَقِفُ عِندَه. ولذلك جاءَ السُّؤالُ بَعدَه عن الرُّسُوّ.

«أَيَّانَ مُرْسَاهَا»: سُؤالٌ يُسَلِّمُ بِالوُقوعِ ويَطلُبُ الحين

لم يَقولوا أيَقَعُ أم لا يَقَع. قالوا «أَيَّانَ»، وهي أداةُ سُؤالٍ عن الوَقت. ومَن سَأَلَ عن الوَقتِ فقد وَضَعَ الشَّيءَ في الوُجودِ قَبلَ أن يَنطِق، ثُمَّ طَلَبَ لَه خانةً في الزَّمَن.

وهذا غَيرُ الذي مَضى في السّورة. هُناكَ كانَ القَولُ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، استِفهامٌ يُرادُ بِه الرَّدّ. وهُنا استِفهامٌ يُرادُ بِه الاستِفهام. الأوَّلُ يُنكِرُ الأصلَ، والثاني يَقِفُ عِندَ الحين.

و«مُرْسَاهَا» من ر-س-و: إمساكٌ يَحصُرُ ثُمَّ يُعقَدُ فيَثبُتُ في مَوضِعِه. وهذا الجِذرُ نَطَقَت بِه السّورةُ نَفسُها بِصيغَتِه وضَميرِه: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. هُناكَ أُثبِتَتِ الجِبالُ فرَسَت، وهُنا يُسأَلُ عن الرُّسُوِّ نَفسِه مَتى يَكون. والجَوابُ آتٍ، ولن يَكونَ تاريخاً.


حَصيلة

سُؤالٌ بِلا سائِلٍ مُسَمّىً ولا مَجلِسٍ مَوصوف: فِعلٌ مُضارِعٌ يُعاد، وكافٌ تُعَلِّقُ الطَّلَبَ بِالمُخاطَبِ وَحدَه، والجِذرُ س-أ-ل جَرَيانٌ يَنبَثِقُ حادّاً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَن وُجِّهَ إلَيه فلا يُفارِقُه. والمَسؤولُ عنه مُعَرَّفٌ غَيرُ مُوَقَّت: س-و-ع جَرَيانٌ مَوصولٌ يُقبَضُ عليه عِندَ مَوضِعٍ فيُقتَطَع، فالاسمُ في حُروفِه قَبضةٌ على زَمَنٍ سائِل. ثُمَّ أداةُ سُؤالٍ عن الحينِ لا عن الوُقوع، تَضَعُ الشَّيءَ في الوُجودِ ثُمَّ تَطلُبُ لَه خانةً فيه، وهو غَيرُ الاستِفهامِ الذي مَضى في السّورةِ يُنكِرُ الرَّدَّ من أصلِه. ثُمَّ «مُرْسَاهَا» من ر-س-و، إمساكٌ يَحصُرُ ويُعقَدُ فيَثبُت، وقد أرسَتِ السّورةُ بِهذا الجِذرِ جِبالاً. فالآيةُ تَنقُلُ الكَلامَ من إنكارِ الأصلِ إلى طَلَبِ المِيقات، وتَجمَعُ الطَّلَبَ كُلَّه في كافٍ واحِدةٍ مُعَلَّقةٍ بِالمُخاطَب.