عبس · الآية 2

﴿أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ

«أَن جَاءَهُ»: العِلّةُ تُذكَرُ بَعدَ المَعلولِ لا قَبلَه

«أَن» مَصدَرِيّةٌ في مَوضِعِ التَّعليل: عَبَسَ وتَوَلّى لِمَجيئِه. وقَد رَأى السّامِعُ الحَدَثَ أوَّلاً ثُمَّ عَلِمَ سَبَبَه، فالتَّرتيبُ في الآيَتَينِ عَكسُ التَّرتيبِ في الواقِع. يُعرَضُ الوَجهُ المُنقَبِضُ عارِياً قَبلَ أن يُقالَ مِمَّ انقَبَض.

والجِذرُ ج-ي-أ تَجَمُّعٌ سارٍ يَنقَطِعُ عِندَ بُلوغِه: وُصولٌ تامٌّ لا اقتِرابٌ فَحَسب. والفِعلُ ماضٍ، فالمَسافةُ قَد طُوِيَت والحُضورُ قَد تَمّ. والهاءُ في «جَاءَهُ» تَصِلُ الآتيَ بِصاحِبِ الوَجه: إلَيهِ هو انتَهى المَسير.

فالعِلّةُ كُلُّها في حَرفَينِ من الحَدَث: أنَّ أحَداً وَصَل.

«الْأَعْمَىٰ»: وَصفٌ يَقومُ حَيثُ يُنتَظَرُ الاسم

في مَوضِعِ الفاعِلِ كَلِمةٌ واحِدة، وهي وَصفٌ لا اسم. ولامُ التَّعريفِ فيها تَقولُ إنَّ المَوصوفَ مَعروفٌ عِندَ مَن يَسمَع، ولا تَقولُ مَن هو. عَرَّفَتهُ الآيةُ بِما يَنقُصُهُ وسَكَتَت عَمّا سِواه.

والجِذرُ ع-م-ي التِباسٌ يَسري فتَذهَبُ فيه فُروقُ الأشياء، ومنه «عَمِيَ عَلَيه الخَبَرُ» إذا التَبَسَ فلَم يَجِدْ لَه وَجهاً. و«أَعْمَىٰ» على وَزنِ أفعَلَ الذي يُوصَفُ بِه اللّازِمُ لِصاحِبِه كَـ«أعرَج»، لا وَزنِ التَّفضيل.

وفي الآيَتَينِ مَعاً انسِدادانِ لا انسِدادٌ واحِد: وَجهٌ ضاقَ عن آتٍ بِفِعلِ صاحِبِه، وبَصَرٌ ذَهَبَت فيه الفُروقُ بِغَيرِ صُنعِ صاحِبِه. أحَدُهُما يَملِكُ أن يَنبَسِطَ فلَم يَنبَسِط، والآخَرُ لا يَملِكُ ومَشى.


حَصيلة

تَأتي العِلّةُ بَعدَ الحَدَث: «أَن» مَصدَرِيّةٌ تُعَلِّلُ ما مَضى، فيُعرَضُ الانقِباضُ أوَّلاً ثُمَّ يُقالُ مِمَّ كان. و«جَاءَهُ» من ج-ي-أ: تَجَمُّعٌ سارٍ يَنقَطِعُ عِندَ بُلوغِه، وُصولٌ تامٌّ لا اقتِراب، وهاءُ الغَيبةِ تُنهي المَسيرَ عِندَ صاحِبِ الوَجهِ نَفسِه. ثُمَّ يَقَعُ في مَوضِعِ الاسمِ وَصفٌ: «الْأَعْمَىٰ» من ع-م-ي، التِباسٌ يَسري فتَذهَبُ فيه فُروقُ الأشياء، على وَزنِ أفعَلَ اللّازِمِ لا التَّفضيل، ولامُ التَّعريفِ تُشيرُ إلى مَعروفٍ ولا تُسَمّيه. فالآيةُ تُعَرِّفُ الآتيَ بِما نَقَصَ مِنه لا بِما يُنادى بِه، وتَضَعُ انسِداداً مَصنوعاً بِإزاءِ انسِدادٍ مَوهوب. جاءَ مَن لا يَرى إلى مَن رَآهُ فأغلَقَ وَجهَه.