عبس · الآية 3

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ

«وَمَا يُدْرِيكَ»: كافٌ تَقلِبُ الكَلامَ من غائِبٍ إلى مُخاطَب

آيَتانِ مَضَتا على الغَيبة: عَبَسَ، تَوَلّى، جاءَهُ، ثُمَّ تَجيءُ كافٌ واحِدةٌ فيَنقَلِبُ المَوقِف، فمَن كانَ يُحكى عنه صارَ يُكَلَّم. والانتِقالُ يُقرَأُ من اللَّفظِ نَفسِه، دونَ خَبَرٍ يُؤتى بِه من خارِج.

و«ما» استِفهامٌ لا يُطلَبُ لَه جَواب، ومَعناهُ نَفيٌ في صورةِ سُؤال، أي لا شَيءَ يُبَلِّغُكَ هذا. ومادّةُ د-ر-ي بُلوغٌ ثابِتٌ يَتَرَدَّدُ حتّى يَستَقِرَّ في النَّفس، و«أدرى» على وَزنِ أفعَل، ومَعناه أن يَجعَلَ غَيرُهُ الشَّيءَ بالِغاً إلَيه. فالمَنفِيُّ كُلُّ سَبيلٍ يُوصِل، والمَنفِيُّ غَيرُ نَظَرٍ قاصِر.

والمَجهولُ هُنا ما في الآتي وما يَصيرُ إلَيه، وأمّا خَبَرُ ما مَضى فحاضِرٌ مَشهود.

«لَعَلَّهُ»: تَرَجٍّ يَفتَحُ ولا يَقطَع

ولَو جاءَ «إنَّهُ يَزَّكّى» لَأُغلِقَ البابُ على حُكم، ولَو جاءَ «لَن يَزَّكّى» لَأُغلِقَ على ضِدِّه، فجاءَت «لَعَلَّ» وأبقَتِ البابَ على حالِه، احتِمالاً قائِماً لا يُجزَمُ بِه ولا يُنفى.

وهذا مَوضِعُ الثِّقَلِ في الآية، إذ انقَبَضَ الوَجهُ على حُكمٍ قَد فُرِغَ مِنه، والآيةُ تُعيدُ فَتحَ ما أُغلِق.

«يَزَّكَّىٰ»: إخراجٌ عِندَ حَدٍّ يُفضي إلى نَماء

وأصلُ الكَلِمةِ «يَتَزَكّى»، أُدغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ فصارَتا حَرفاً مُشَدَّداً. ووَزنُ تَفَعَّلَ يَجعَلُ الفاعِلَ مَحَلَّ فِعلِه، فهو الذي يُوقِعُ الفِعلَ في نَفسِه، ولا يُوقِعُهُ فيه غَيرُه.

والجِذرُ ز-ك-و إخراجٌ عِندَ حَدٍّ يُفضي بِما بَعدَه إلى النَّماء، ومنه «زَكا الزَّرعُ» نَما بَعدَ أن خَلَصَ مِمّا يُزاحِمُه. وهو الفِعلُ الذي عُرِضَ في السّورةِ قَبلَها على مَن وُصِفَ بِمُجاوَزةِ حَدّ: هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾، فقد عُرِضَ هُناكَ على مَن لَم يَطلُبه، ويُرجى هُنا لِمَن جاءَ يَطلُب.

فالذي لا يُدرى ما يُمكِنُ أن يَخرُجَ من الرَّجُلِ فيَنمو، دونَ ظاهِرِه.


حَصيلة

كافٌ واحِدةٌ تَنقُلُ الكَلامَ من الحِكايةِ إلى المُواجَهة، فمَن وُصِفَ في آيَتَينِ صارَ مُخاطَباً في الثّالِثة. و«ما» استِفهامٌ في مَعنى النَّفي، و«يُدْرِيكَ» من د-ر-ي، وهو بُلوغٌ ثابِتٌ يَتَرَدَّدُ حتّى يَستَقِرّ، وأفعَلُ فيه جَعلُ الغَيرِ بالِغاً، فالمَنفِيُّ كُلُّ سَبيلٍ يُوصِل. ثُمَّ «لَعَلَّ» تَفتَحُ ولا تَقطَع، فلا جَزمَ بِالتَّزَكّي ولا نَفيَ لَه، وقد كانَ الوَجهُ أغلَقَ الحُكمَ قَبلَ أن يُنظَر. و«يَزَّكَّىٰ» أصلُها «يَتَزَكّى» أُدغِمَت تاؤُها، ووَزنُ تَفَعَّلَ يَجعَلُ الفاعِلَ مَحَلَّ فِعلِه، والجِذرُ ز-ك-و إخراجٌ عِندَ حَدٍّ يُفضي إلى نَماء. فالمَستورُ عن المُخاطَبِ ما يَنمو، لا ما مَضى. والوَجهُ حَكَمَ في لَحظة، والآيةُ تَدُلُّ على أنَّ الحُكمَ لم يَنضَجْ بَعد.