المطففين · الآية 19

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ

«وَمَا أَدْرَاكَ»: سُؤالٌ يَقطَعُ الطُّرُقَ ثُمَّ يَفتَحُ واحِداً

«ما» الأُولى استِفهامٌ في مَعنى النَّفي، فهي تَسألُ وتَنفي أن يَكونَ في وُسعِ المُخاطَبِ شَيءٌ يُبَلِّغُه هذا. و«أدرى» على وَزنِ أفعَل، فالدِّرايةُ هُنا يُبَلَّغُها صاحِبُها من خارِجِه، ولا تَقومُ بِه. وقد سَبَقَ لِلسّورةِ هذا السُّؤالُ بِعَينِه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، فهو سُؤالٌ واحِدٌ يُطرَحُ على الطَّرَفَين.

والدِّرايةُ في حُروفِها بُلوغٌ ثابِتٌ يَتَرَدَّدُ ويَمتَدُّ حتّى يَستَقِرَّ في النَّفس، ومِنه «دَرى الخَبَرَ» إذا تَتَبَّعَه حتّى انتَهى إلَيه، فهي عِلمٌ يُنالُ بِمُعاوَدةٍ ونَظَر. وهذا هو المَنفِيُّ بِعَينِه، فلا مُعاوَدةَ تَبلُغُ هذه الكَلِمة، والبابُ الذي يُطرَقُ بِالنَّظَرِ يُغلَق، وبابُ الخَبَرِ يُفتَح.

«مَا عِلِّيُّونَ»: الاسمُ يُعادُ مَرفوعاً ولا يُكنّى عنه

و«ما» الثّانِيَةُ استِفهامٌ آخَر، وبَعدَها الاسمُ نَفسُه مَرفوعاً، وقد جاءَ في الآيةِ قَبلَها مَجروراً بِـ«في»: «لَفِي عِلِّيِّينَ»، فالكَلِمةُ تَنتَقِلُ من مَوضِعِ الظَّرفِ إلى مَوضِعِ المُبتَدَإ، وبَعدَ أن كانَت مَحَلّاً يَستَقِرُّ فيه الكِتابُ صارَت هي المَسؤولَ عنه.

ولم تُستَبدَلْ بِضَميرٍ يُغني عنها، فقد أُعيدَ اللَّفظُ كامِلاً بَعدَ آيةٍ واحِدة، وأُعيدَ مَرفوعاً، والرَّفعُ يُقيمُ الاسمَ وَحدَه غَيرَ مُتَعَلِّقٍ بِغَيرِه. فالسُّؤالُ يَرفَعُ الكَلِمةَ ولا يَستُرُها، ثُمَّ تَجيءُ الآيةُ التي تَليها بِالجَواب، والسّورةُ تَسألُ لِتُجيب، لا لِتَترُكَ فَجوةً يَملَؤُها غَيرُها.


حَصيلة

«ما» الأُولى استِفهامٌ في مَعنى النَّفي، و«أدرى» على أفعَل، فالدِّرايةُ هُنا تُبَلَّغُ من خارِج، ولا تُنالُ بِسَعيِ صاحِبِها. والدِّرايةُ في حُروفِها بُلوغٌ يَتَرَدَّدُ ويَمتَدُّ حتّى يَستَقِرَّ في النَّفس، وهو المَنفِيُّ بِعَينِه، فلا نَظَرَ مُعاوَدٌ يَبلُغُ هذه الكَلِمة. وقد سَألَتِ السّورةُ هذا السُّؤالَ نَفسَه عن الطَّرَفِ الآخَرِ في وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾. ثُمَّ يُعادُ الاسمُ كامِلاً غَيرَ مُكَنّىً عنه، ومَرفوعاً بَعدَ أن كانَ مَجروراً بِـ«في»، فقد انتَقَلَ من مَوضِعِ الظَّرفِ إلى مَوضِعِ المُبتَدَإ، وصارَ هو المَسؤولَ عنه بَعدَ أن كانَ المَحَلَّ الذي فيه الكِتاب. وهو سُؤالٌ يَقطَعُ كُلَّ طَريقٍ إلَيه إلّا الطَّريقَ الذي تَفتَحُه السّورةُ في الآيةِ التّالِيَة.