المطففين · الآية 18

﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ

«كَلَّا»: الثّالِثةُ، وهي التي تَقلِبُ الصَّفحة

«كَلَّا» ثالِثةً في خَمسِ آيات. وهذه لا تَرُدُّ قَولاً كَالأُولى ولا تَفتَحُ خَبَراً عن حالِهِم كَالثانِية. بَعدَها لا يُذكَرُ مَحجوبٌ ولا نار، ويَبتَدِئُ شَطرٌ آخَر.

وانظُرْ ما صَنَعَتهُ السّورةُ بِالجُملة. قالَت قَبلُ: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، وتَقولُ الآنَ الجُملةَ نَفسَها بِتَرتيبِها وأدَواتِها، ولا يَتَغَيَّرُ فيها إلّا اسمانِ اثنان. قالَبٌ واحِدٌ يُملَأُ مَرَّتَين، وما بَينَ المِلأَينِ هو كُلُّ الفَرق.

«كِتَابَ الْأَبْرَارِ»: كِتابٌ يُضافُ إلى أصحابِه

لم تَقُلِ الآيةُ «الكِتاب» وَحدَه، بَل أضافَتهُ إلى قَومٍ بِأعيانِهِم. والكِتابُ في حُروفِه حَبسٌ دَقيقٌ يُربَطُ بِمَحَلِّه فيَثبُت، ومنه «كَتَبَ القِربةَ» خَرَزَها فسَدَّ مَنافِذَها. فالكِتابُ ما أُمسِكَ فيه الشَّيءُ على مِقدارِه فلا يَنفَلِتُ منه ولا يُزادُ عَلَيه.

والأبرارُ في جِذرِهِم خُروجٌ يَجري مُستَرسِلاً فيَتَّسِع، ومنه «البَرّ» اليابِسةُ الواسِعةُ في مُقابِلِ البَحرِ المَحصورِ بِساحِلَيه، و«البارُّ» الذي يَتَّسِعُ فِعلُه لِمَن يَليه. فالوَصفُ الذي اختِيرَ لَهُم سَعة. وما اتَّسَعَ يُمسَكُ في كِتابٍ يَحبِسُه على مِقدارِه، فلا تَضيعُ منه ذَرّة. السَّعةُ تُحفَظُ بِالضَّبطِ لا بِالإطلاق.

«لَفِي عِلِّيِّينَ»: تَوكيدٌ يَقَعُ على المَوضِع

اللّامُ لِلتَّوكيدِ دَخَلَت على الظَّرف، فالمُؤَكَّدُ مَوضِعُ الكِتابِ لا وُجودُه. و«في» تَجعَلُه مَظروفاً داخِلاً، لا مَرفوعاً فَوق. والعُلُوُّ في حُروفِه ظُهورٌ من عُمقٍ يَمتَدُّ ثُمَّ يُوصَلُ بِما فَوقَه: ارتِفاعٌ يَربِطُ ما دونَه بِما أعلى مِنه، لا حَدٌّ يَنقَطِعُ عِندَه.

ثُمَّ الصيغة: «عِلِّيِّينَ» جَمعٌ بِالياءِ والنّون، وهو الجَمعُ الذي يُجمَعُ بِه مَن يَعقِل. والسّورةُ لا تَترُكُ الكَلِمةَ مُعَلَّقة: تَسألُ عنها في الآيةِ التالِيَة، ثُمَّ تُجيبُ عنها بِنَفسِها في الآيَتَينِ بَعدَها. تَسألُ عن كَلِمَتِها ثُمَّ تُجيبُ، فلا يُستَعانُ عَلَيها بِغَيرِها.


حَصيلة

«كَلَّا» ثالِثةً، وهذه تَقلِبُ الصَّفحة. والجُملةُ هي جُملةُ الشَّطرِ الأوَّلِ بِتَرتيبِها: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ صارَت «إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ»، فلَم يَتَغَيَّرْ إلّا اسمانِ في قالَبٍ واحِد. والكِتابُ حَبسٌ دَقيقٌ يُربَطُ بِمَحَلِّه فيَثبُت، وقد أُضيفَ إلى أصحابِه. والأبرارُ في جِذرِهِم سَعةٌ تَجري ولا تَنحَبِس، فما اتَّسَعَ مِنهُم مَحفوظٌ في مُمسِكٍ يَضبِطُه على مِقدارِه. واللّامُ تُؤَكِّدُ المَوضِعَ لا الوُجود، و«في» تَجعَلُ الكِتابَ داخِلاً في ظَرفِه. و«عِلِّيِّينَ» ارتِفاعٌ يَصِلُ ما دونَه بِما فَوقَه، جاءَ بِجَمعٍ يُجمَعُ بِه مَن يَعقِل. وما بَقِيَ من مَعناهُ تَقولُه السّورةُ بَعدَ آيةٍ واحِدة.