البروج · الآية 14

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ

«الغفور»: الغطاءُ الذي يَحفظُ الكرامة

الغفرُ من غ-ف-ر: تغطيةٌ تَمنعُ الظهورَ والفضح. الغَفَرُ في اللسان الشَّعَرُ يَستُرُ الجلد. والمِغفَرُ ما يُغطّي الرأسَ في الحرب. ليست المغفرةُ إذن مجرّدَ عفوٍ عاطفيّ؛ هي فعلُ تغطية: ما كان عُرضةً للكشفِ والفضح لا يُكشَف.

وصيغةُ «الغفور» مبالغةٌ: كثيرُ الغفر، متكرّرُ الغطاء. كأنّ الغفرانَ ليس استثناءً في حياةِ الجهة، بل طبيعةٌ راسخة. وهذا يُلقي ضوءاً على ما سبقَ: «ثمّ لم يتوبوا»، إغلاقُ بابِ العودةِ كان اختياراً، لا إغلاقاً من الجهة الأخرى. الغفورُ هناك، لكنّ الرجوعَ شرطٌ.

«الودود»: الحُبُّ الذي استقرَّ فصارَ خُلُقاً

الودُّ من و-د-د: محبّةٌ لصيقةٌ تستقرُّ في المحلّ. ليست الفرحةَ المباغتة ولا الشوقَ المتقطّع. الودُّ ما ثبتَ في النفسِ حتى أصبحَ صفةً. والودودُ مبالغةُ الفاعل: من الودُّ طبيعتُه، لا حالتُه. كأنّ المحبّةَ ليست حالةً يدخلُها ويخرجُ منها، بل مَكنِزٌ راسخٌ في الجهة.

وهذا يجيءُ بعد «يُبدئ ويُعيد» مباشرةً. الذي يُنشئُ ثمّ يُرجعُ يفعلُ ذلك من موضعِ ودٍّ مستقرٍّ. الإنشاءُ ليس بلا علاقة، والإرجاعُ ليس بلا غاية. بين كلِّ ذلك: ودٌّ راسخٌ لا يُحوِّلُه تغيُّرُ الأحوال.


حَصيلة

بعد البطش الشديد والإبداء والإعادة، تأتي هذه الآيةُ بوصفَين: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. ليس استدراكاً عاطفياً بل بيانٌ عن تركيبِ الجهةِ الواحدة. «الغفور» من -غ-ف-ر- تغطيةٌ تمنعُ الظهورَ والفضح؛ في اللسان المِغفَرُ ما يُغطّي الرأسَ في الحرب، فالغفرُ سترٌ يَحفظُ الكرامة، ما غُطِّيَ به لم يُمحَ لكنّه لم يُعرَض على الملأ. وصيغةُ «الغفور» مبالغةٌ: كثيرُ الغطاء بطبيعته، لا استثناءً في سيرتِه. ثمّ «الودود» من -و-د-د- محبّةٌ لصيقةٌ استقرّت في المحلّ حتى صارت طبيعةً لا حالةً عابرة؛ صيغةُ «الفَعول» تجعلُ الودَّ خُلُقاً راسخاً. وهذا يُرجعُ النظرَ إلى «ثمّ لم يتوبوا» في الآية العاشرة: الباب كان مفتوحاً من هذا الغفور الودود، والذي أغلقَه هو من أغلق. البطشُ والغفرانُ والودُّ في جهةٍ واحدة؛ لا يَصحُّ تبسيطُ أيٍّ منها.