الفجر · الآية 12

﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ

«فَـ»: فاءٌ تَرتُبُ النَّتيجةَ على ما قَبلَها

تَبدَأُ الآيةُ بِفاءٍ تَصِلُها بِما قَبلَها وَصلَ النَّتيجةِ بِسَبَبِها. فما تَقَدَّمَ كانَ طُغياناً في البِلاد، وهذه الفاءُ تُخرِجُ من الطُّغيانِ ثَمَرَتَه: لم يَقِفِ الأمرُ عِندَ التَّجاوُزِ، بل تَرَتَّبَ عليه ما هو أبلَغُ مِنه. فالفاءُ هنا لا تَعطِفُ خَبَراً جَديداً مُنفَصِلاً، بل تَكشِفُ أنَّ الفَسادَ مَولودُ الطُّغيانِ ومُنتَهاه.

وهذا التَّرتيبُ يَجعَلُ الآيةَ حَلقةً في سِلسِلةٍ تَنحَدِر: قُوّةٌ تَتَجاوَزُ حَدَّها، ثُمَّ تُكثِرُ في الأرضِ ما يُفسِدُها. فالفاءُ تَربِطُ الحَلقَتَين فلا تُقرَأُ إحداهما بِمَعزِلٍ عن الأُخرى.

«أَكثَروا»: تَكثيرٌ يُضاعِفُ لا يَكتَفي

الجِذرُ ك-ث-ر يَدورُ على ضِدِّ القِلّة: تَجَمُّعٌ يَتَزايَدُ ويَفيضُ عن الحَدّ. و«أَكثَرَ» على وَزنِ أَفعَلَ: جَعَلَ الشَّيءَ كَثيراً وزادَ فيه، فلا يُقالُ لِمَن فَعَلَ مَرّةً، بل لِمَن أَوغَلَ وضاعَفَ حتّى طَفا. فالفِعلُ يُصَوِّرُ يَداً لا تَكتَفي بِقَدرٍ، بل تَصُبُّ وتَزيدُ كأنَّها تَطلُبُ الفَيضَ نَفسَه.

والمَكثورُ هنا هو الفَساد: لم يُكثِروا بِناءً ولا زَرعاً ولا عِلماً، بل أَكثَروا ما يُهلِك. فالقُوّةُ التي مَلَكَت سَعةً صَرَفَت سَعَتَها في التَّكثيرِ مِمّا يَنقُض. ومَن تَأمَّلَ الفِعلَ عَرَفَ أنَّ المَذمومَ ليسَ مُجَرَّدَ وُقوعِ الفَسادِ، بل مُضاعَفَتُه قَصداً حتّى يَملأَ المَوضِع.

«فيها الفَسادَ»: ظَرفٌ يَحتَوي ومادّةٌ تَنحَلّ

«فيها» تَعودُ على البِلادِ التي تَقَدَّمَ ذِكرُها، وحَرفُ «في» يَجعَلُ الأرضَ وِعاءً يَحتَوي الفَساد: لم يَنزِلِ الفَسادُ على سَطحِها عابِراً، بل مُلِئَت به امتِلاءَ الظَّرفِ بِمَظروفِه. فالمَوضِعُ الذي كانَ مَجالَ القُوّةِ صارَ مَجالَ ما يُفسِدُها.

والجِذرُ ف-س-د يَدورُ على انحِلالِ الشَّيءِ عن الهَيئةِ التي يَصلُحُ بها وخُروجِه عن الاعتِدالِ إلى التَّلَفِ. يُقالُ «فَسَدَ الطَّعامُ» إذا تَغَيَّرَ عن صَلاحِه، و«فَسَدَ الأمرُ» إذا اختَلَّ نِظامُه فلم يَنتَفِع به. فالفَسادُ نَقضُ الصَّلاحِ من داخِلِ الشَّيءِ، لا كَسرُه من خارِج. والآيةُ تَجمَعُ التَّكثيرَ والاحتِواءَ والانحِلال: يَدٌ تُضاعِفُ، وأرضٌ تَمتَلئُ، ومادّةٌ تَنحَلُّ عن صَلاحِها.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِفاءٍ تَرتُبُ النَّتيجةَ على سَبَبِها، فتُخرِجُ من الطُّغيانِ المُتَقَدِّمِ ثَمَرَتَه. الجِذرُ ك-ث-ر: تَجَمُّعٌ يَتَزايَدُ ويَفيضُ، و«أَكثَروا» مُضاعَفةٌ قَصديّةٌ لا اكتِفاءَ فيها. و«فيها» تَجعَلُ الأرضَ وِعاءً يَحتَوي ما صُبَّ فيه. والفَسادُ من ف-س-د: انحِلالُ الشَّيءِ عن صَلاحِه من داخِلِه، لا كَسرٌ من خارِج. فالآيةُ تُصَوِّرُ قُوّةً جاوَزَت حَدَّها فصَرَفَت سَعَتَها في تَكثيرِ ما يَنقُضُ صَلاحَ المَوضِع، حتّى امتَلأَتِ الأرضُ بِمادّةٍ تَنحَلّ، وهي الحَلقةُ التي يَأتي بَعدَها صَبُّ العَذابِ جَزاءً وِفاقاً.