الشمس · الآية 13

﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا

«رَسولُ الله»: المُتَكَلِّمُ بصِفَتِه لا باسمِه

تُسَمّي السورةُ القائلَ هنا «رَسولُ اللهِ» ولا تَذكُرُ اسمَه، والاسمُ لَو ذُكِرَ لَكانَ زِيادَةً، أمَّا الصِّفَةُ فليست زِيادَةً، إذ هي الحُجَّةُ نَفسُها، فما يَقولُه الرَّسولُ بَلاغٌ يَحمِلُه، ولَيسَ قَولَه، وليس قَولَه هو. والجذرُ (ر-س-ل) في العربيّةِ من إِرسالِ الشَّيءِ في طَريقِه، فمَن أُرسِلَ خَرَجَ من مَوضِعِه إلى مَوضعٍ آخَرَ ليُؤَدّيَ ما حُمِّلَ.

والقَومُ المُكَذِّبونَ عَرَفوا فيه هذه الصِّفَة، ولم يَكُن غَريباً عَلَيهم في يَومٍ من قِبَلِ الفِعل، وكانَ بَينَهم بَلاغُه، غَيرَ أنَّ الطَّغوى التي حَجَزَت آذانَهم لم تَدَعهُم يَستَوعِبونَ ما يَقولُ. وهذا التَّرتيبُ يَذكُرُه الكِتابُ الكَريمُ في مَواضعَ شَتّى: يَأتي الرَّسولُ قَومَه فيُبَلِّغ، فإن أصاخوا أَفلَحوا، وإن طَغَوا خابوا، والسورةُ هنا تَعرِضُ المِثالَ على هذا التَّرتيبِ نَفسِه.

«ناقَةَ الله»: المَنصوبَةُ على التَّحذير

و«ناقَةَ اللهِ» في الإعرابِ مَنصوبَةٌ على التَّحذير، والتَّحذيرُ في العربيّةِ صيغَةٌ يُختَصَرُ فيها الكَلامُ ليَكونَ أقوى. فقد عُدِلَ عن جُملَةٍ مُطَوَّلَةٍ مِثلِ «احذَروا أن تَمَسّوا ناقَةَ الله» إلى «ناقَةَ اللهِ» وَحدَها، فنُصِبَ الاسمُ على الفِعلِ المَحذوف، وصارَت الكَلِمَةُ في هذه الصيغَةِ مُسَدَّدَةً كَنَبهَةٍ تَنزِلُ على القَوم.

والإضافَةُ في «ناقَةَ اللهِ» تَنسُبُ الناقَةَ إلى اللهِ نِسبَةَ تَخصيص، فهي ناقَةٌ خَصَّها اللهُ بإضافَتِه إلَيها، ولم تَكُن ناقَةً عاديَّةً تَخُصُّ صاحِبَها كأيِّ ناقَةٍ يَملِكُها رَجُل. وفي هذه الإضافَةِ مَوضِعُ الحُرمَة، فما يُمَسُّ منها يَمَسُّ ما هو فَوقَهم، والقَومُ المُحَذَّرون يَعرِفونَ مَنزِلَتَها ومَنزِلَةَ المُضافِ إلَيها.

وفي القرآنِ مَواضِعُ أُخرى يُذكَرُ فيها نَاقَةَ اللَّهِ﴾، تَجري بالمعنى نَفسِه: فالإضافَةُ تَحفَظُ الحُرمَة، والاسمُ يُسَمّى ناقَةً لا غَيرَ، فيُعرَفُ بصِفَتِه ولا يُتَجاوَزُ ما تَذكُرُه السورةُ منه.

«وَسُقياها»: حِصَّةُ الشَّربِ المَخصوصَة

و«السُّقيا» اسمٌ من «سَقى» يَدُلُّ على الحِصَّةِ التي تُعطى للشُّربِ في وَقتٍ مَخصوص، وبالإضافَةِ في «سُقياها» تَكونُ هذه الحِصَّةُ مَنسوبَةً إلى النَّاقَةِ نَفسِها، فلَها سُقيا، أيْ يَومٌ أو وَقتٌ تَنفَرِدُ فيه بالشَّربِ من غَيرِ مُزاحِمَة.

ولم تَزِدِ الآيَةُ في تَفصيلِ هذه السُّقيا، فلم تَذكُرِ اليَومَ ولا المَوضِعَ ولا كيفِيَّةَ التَّناوُب، واكتَفَت بأنَّ لَها سُقيا، وأنَّ السُّقيا داخِلَةٌ في التَّحذير، فمَن قالَ «احذَروا ناقَةَ اللهِ» قالَ معه «احذَروا سُقياها». فالناقَةُ في حُرمَة، وحِصَّةُ شُربِها في حُرمَةٍ أيضاً، والأمرُ مَوقوفٌ على الحَقِّ دونَ الجِسم.


حَصيلة

يَتَكَلَّمُ رَسولُ اللهِ بَعدَ أن نَهَضَ أَشقاهُم، وكَلامُه كَلِمَتانِ مَنصوبَتانِ على التَّحذير: «ناقَةَ اللهِ وَسُقياها»، تَكثيفٌ يَلفِتُ القَومَ إلى ما يَنبَغي حِفظُه، بلا إِسهابٍ ولا تَفصيل. والجِذرُ س-ق-ي إيصالُ الماءِ إلى مَن يَحتاجُه، والناقةُ مَنسوبةٌ لِلَّهِ تَشريفاً وحِمايَة، والرَّسولُ مُعَرَّفٌ بِصِفَتِه «رَسولُ اللهِ» لا باسمِه، فما يَقولُه بَلاغٌ يَحمِلُه لا رَأيٌ يُبديه. والتَّرتيبُ البَلاغيُّ في السورةِ يَذكُرُ انبِعاثَ أشقاها أوّلاً، ثمَّ التَّحذيرَ، ثمَّ الفِعلَ في الآيةِ التي تَليه، فالمُخالَفَةُ كانَت عَن بَيِّنَة.