الشمس · الآية 15

﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا

«لا يَخافُ»: نَفيٌ مُتَجَدِّدٌ في كلِّ آن

وصيغَةُ المُضارَعةِ في «لا يَخافُ» تَدُلُّ على نَفيٍ يَتَجَدَّدُ مَع كلِّ مَوقِف، ولَو جاءَ «لم يَخَف» في الماضي لَدَلَّ على نَفيِ خَوفٍ في حادِثَةٍ مُحَدَّدَة، وقد عُدِلَ عنه إلى المُضارَعة فعَمَّ النَّفيُ كلَّ مَوقِفٍ مُماثِل، فكلُّ نُزولٍ يَنزِلُه على قَومٍ في أيِّ زَمَنٍ يَنزِلُه ولا يَخافُ ما يَتلوه.

والخَوفُ في العربيّةِ تَوَقُّعُ ضَرَرٍ يَلحَق، ومَن يَخافُ شَيئاً يَنتَظِرُه أن يَنزِلَ به، و«لا يَخافُ» هنا تَدُلُّ على عَدَمِ هذا الانتِظار، فالفاعِلُ في فِعلِه لا يَستَتبِعُه تَوَقُّعُ تَبِعَة. وعِلَّةُ ذلك أنَّ الفاعِلَ في مَوضِعٍ لا تَلحَقُه فيه تَبِعَة، ولم تَكُن عِلَّتُه أنَّ التَّبِعَةَ مَأمونَة، وهذا هو الفَرقُ بَين فاعِلٍ مَخلوقٍ يَخشى عاقِبَةَ فِعلِه وفاعِلٍ هو الخالقُ نَفسُه.

«عُقباها»: ما يَلحَقُ الشَّيءَ من خَلفِه

والجذرُ (ع-ق-ب) في العربيّةِ من معنى ما يَلحَقُ الشَّيءَ من خَلفِه، ومنه «عَقِبُ» القَدَم، و«العاقِبَةُ» لِما يَنزِلُ في إِثرِ الفِعلِ من نَتائج، و«أَعقَبَ» الشَّيءُ شَيئاً إذا جاءَ في إثرِه. و«عُقبى» اسمٌ يَدُلُّ على نَتيجَةِ الفِعلِ التي تَأتي بَعدَه.

و«عُقباها» مُضافٌ إلى ضَميرِ المُؤَنَّث، وهو يَعودُ على «التَّسوِيَة» في «فَسَوَّاها» في الآيةِ السابِقة، أو على «الدَّمدَمَة»، أو على «ثَمود». والإحالاتُ كلُّها لا تُغَيِّرُ المعنى، فالمُرادُ عُقبى ما حَدَث، أي تَبِعَتُه التي تَلحَقُه، والفاعِلُ لا يَخافُ ما يَتلو هذا النُّزولَ من نَتائج، لأنَّه فَوقَ ما يُمكِنُ أن يَلحَقَه من تَبِعَة.

الخَتمُ: ذاتُ الفاعِلِ تَختِمُ السورة

بَدأَتِ السورةُ بأقسامٍ كَونيَّة، وانتَهَت بصِفَةٍ في ذاتِ الذي أقسَمَ، وهذا التَّرتيبُ داخِلٌ في بَلاغَتِها: فالكَونُ كلُّه شاهِدٌ على ما تَفعلُه النَّفسُ، والنَّفسُ تَختارُ بَين كِفَّتَيها، وثَمودُ مِثالُ الذي اختارَ الكِفَّةَ الفاجِرَة، ورَبُّهم نَزَلَ علَيه بما اختار، وهو في نُزولِه لا يَخافُ شَيئاً.

والقارئُ إذ يَنطِقُ هذه الآيةَ في خاتِمَةِ السورةِ يَختِمُ سَفَراً بَدَأَ بشَمسٍ وضُحاها، ومَرَّ بنَفسٍ وما سَوّاها، ومَضى إلى تَزكِيَةٍ ودَسٍّ، وانتَهى عند ذاتٍ لا تَلحَقُها تَبِعَة. والفَرقُ بَين النَّفسِ التي تَخافُ عُقباها والذاتِ التي لا تَخافُ عُقباها هو الفَرقُ بَين المَخلوقِ والخالق، وإلى هذا الفَرقِ تَلفِتُ السورةُ السامعَ في خاتِمَتِها بكَلِمَتَين.

ومَن أرادَ ألّا يَلحَقَه ذَنبُه فلا سَبيلَ لَه إلّا تَزكِيَةُ نَفسِه، ومَن أَلقاها تَحتَ ما يَستُرُها لَحِقَه ما لَحِقَ ثَمودَ من قَبل، والكَونُ كلُّه شاهِد، والنُّفوسُ مُحاسَبَة، والذي يُحاسِبُ لا يَخافُ عُقبى حِسابِه.


حَصيلة

هذه آخِرُ آيةٍ في السورة، والفاعِلُ فيها مُضمَرٌ يَعودُ إلى «رَبُّهُم» في الآيةِ السابِقَة، والنَّفيُ على المُضارِع في «لا يَخافُ» قائمٌ في كلِّ آن. و«عُقباها» من الجِذرِ ع-ق-ب، أي ما يَلحَقُ الشَّيءَ من خَلفِه، وما يَأتي في إثرِ الفِعلِ من تَبِعات. فالذي خَلَقَ السَّماءَ وطَحا الأرضَ وسَوَّى النَّفسَ وحاسَبَ ثَمودَ لا يَنتَظِرُ مَن يُحاسِبُه على فِعلِه، والسورةُ تُغلِقُ بِمَن فَتَح: بَدَأَ القَسَمُ بالشَّمسِ التي لا تَستَأذِنُ في ضُحاها، وجاءَت الخاتِمَةُ بذاتٍ لا تَستَأذِنُ في عُقباها.