الليل · الآية 9

﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ

«كَذَّبَ بِالباء»: تَكذيبُ الالتِزام، لا تَكذيبُ الخَبَر

الجِذرُ ك-ذ-ب يُقابِلُ ص-د-ق. الصِّدقُ ثَباتٌ، والكَذِبُ تَزَلزُلٌ. الصِّدقُ صَلابَةٌ تَنعَقِد، والكَذِبُ انفِكاكٌ يَنشَقّ. وَ«كَذَّبَ» في وَزنِ التَّفعيلِ تُضاعِفُ هذا الانفِكاك: لا تَلَجلُجٌ عابِر، بَل ثَباتٌ على رَفض.

وَ«كَذَّبَ بِـ» تَعَدّي الفِعلِ بِالباءِ. كَما أنَّ «صَدَّقَ بِـ» التِزامٌ بِالمَوضوع، «كَذَّبَ بِـ» نَبذٌ لَه. مَن كَذَّبَ بِالحُسنى لَم يَقُل في نَفسِه «أَشُكُّ في وُجودِها»، بَل قالَ في فِعلِه «لا ألتَزِمُ بِها». التَّكذيبُ هُنا ليس قَضِيَّةً عَقلِيَّة، بَل مَوقِفٌ عَمَلي. الإنسانُ بِيَدِه الدَّليلُ على ما يَعتَقِد: مَن بَخِلَ واستَغنى، كَذَّبَ بِفِعلِه أنَّ الحُسنى تَستَحِقُّ ما تَستَحِق.

«الحُسنى»: المُلتَقى المَشتَرَكُ بَين القُطبَين

الكَلِمَةُ نَفسُها التي عَقَدَ القُطبُ الأَوَّلُ نَفسَه عَلَيها هي الكَلِمَةُ التي يَنبِذُها القُطبُ الثاني. لا أَنَّهُما يَختَلِفانِ في تَعريفِها، بَل في الالتِزامِ بِها. كِلاهُما رَأى صورَتَها في حَياتِه؛ أَحَدُهُما عَقَدَ نَفسَه عَلَيها، وَالآخَرُ نَبَذَها مِن مَوقِفِه.

وَفي هذا تَنزيلٌ دَقيقٌ لِفِكرَةِ الكِتاب. الإيمانُ والكُفرُ لا يَنفَصِلانِ عَن الفِعل. ما يُبنى في القَلبِ يَظهَرُ في اليَد. والاستِغناءُ هُوَ الحَدُّ الفاصِل: مَن استَغنى عَمَّا هُوَ أَكبَر، أَنكَرَ سَعَةَ الحُسنى، وَأَمسَكَ يَدَه عَن العَطاء، وَكَذَّبَ بِفِعلِه ما يَستَحِقُّ التَّصديق. الثَّلاثَةُ عَقدٌ واحِدٌ في صورَتِه الباطِنيّة.

وَفي الكِتابِ يَتَكَرَّرُ هذا الجِذرُ في مَواضِعَ تُضاءُ بِنُورِ بَعضِها بَعضاً. وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ في مُقابِلِها وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾. التَّصديقُ والتَّكذيبُ في الكِتابِ مَوقِفٌ يُؤَخَذُ بِالفِعل، لا مُجَرَّدُ عَقدٍ في الذِّهن. وَ«كَذَّبَ بِالحُسنى» هُنا يُلَخِّصُ القُطبَ الثاني كَما لَخَّصَ «صَدَّقَ بِالحُسنى» القُطبَ الأَوَّل.

المُتَوازي: ماذا يَفعَلُ الإنسانُ بِالحُسنى؟

إذا تَأمَّلَ القارئُ الآيتَين السادِسَةَ والتاسِعَة، رَأى أنَّ السورةَ لا تُفَرِّقُ القُطبَين بِعَلاقَتِهِما بِالله، بَل بِعَلاقَتِهِما بِما هُوَ أحسَن. كلاهُما يَواجِهُ الحُسنى. أَحَدُهُما يَلتَزِمُ بِها بِفِعلِه، والآخَرُ يَنبِذُها بِفِعلِه. والحُسنى المُطلَقَةُ، كَما تُرِكَت بِغَيرِ تَحديد، تَدخُلُ في كلِّ سياق: الحُسنى في كلامٍ يَنبَغي قَولُه، الحُسنى في فِعلٍ يَنبَغي فِعلُه، الحُسنى في طَريقٍ يَنبَغي سُلوكُه.

كلُّ إنسانٍ في كلِّ يَومٍ يَواجِهُ حُسناً ما. وَكلُّ يَومٍ يَختارُ: يُصَدِّقُ بِها فَيَلتَزِمُ، أَو يُكَذِّبُ بِها فَيَنبِذ. السورةُ تَلتَقِطُ هذا الانتِخابَ المُتَكَرِّرَ في صورَةٍ كَونيَّة. وَالأقسامُ الكَبيرَةُ في صَدرِ السورة (لَيلٌ، نَهار، ذَكَر، أُنثى) تَجِدُ في هذا الانتِخابِ نَظيرَها البَشَري.


حَصيلة

الصِّفَةُ الثالِثَةُ للقُطبِ الثاني. «وَكَذَّبَ بِالحُسنى»: بنَفسِ البِناءِ الذي صَدَّقَ به القُطبُ الأوَّل. الجِذرُ ك-ذ-ب نَقضُ الصِّدقِ بِإِعلانِ خِلافِه، لا جَهلٌ بل رَفض. «الحُسنى» عادَت بِلا تَحديد: كلُّ ما يَستَحِقُّ الأفضَلَ يُكَذَّبُ به في هذه الجِهَة. المُكَذِّبُ يَعرِفُ ما يُكَذِّبُه. الثَّلاثيَّةُ الثانيةُ اكتَمَلَت، والجَوابُ سَيَنزِلُ في الآيةِ التالية بِعُسرٍ يُوازي اليُسرى.