الزلزلة · الآية 3

﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا

«قالَ الإنسان»: السُّؤالُ يَخرُجُ من العادَة

والفِعلُ «قالَ» في الماضي، وقد عُدِلَ إلَيه عن «يَقولُ» و«سَيَقول»، كأنّ القَولَ قد وَقَعَ، والسورةُ تَنقِلُ القارئَ إلى ذَلِكَ اليَومِ كأنَّه فيه، فيَسمَعُ الإنسانَ يَنطِقُ سُؤالَه، ولا يَبقى مُنتَظِراً نُطقَه.

والاسمُ «الإنسان» مُعَرَّفٌ بأل، فهو الجِنسُ كلُّه، دونَ فَريقٍ مِنه أو فَردٍ مَخصوص، وكلُّ مَن يَحمِلُ هذا الاسمَ يُفاجَأُ على طَريقَتِه: مَن أَمِنَ (أ-م-ن) يَفهَمُ ويَدهَش، ومَن غَفَلَ (غ-ف-ل) يَدهَشُ ولا يَفهَم، وكِلاهُما يَنطِقُ بالسُّؤالِ نَفسِه: «ما لَها».

«ما لَها»: العِبارَةُ التي تَستَدعي التَّفسيرَ من المَألوف

و«ما لَها» تَركيبٌ عَرَبيٌّ خاصّ، يُقالُ فيه «ما لِفُلانٍ يَفعَلُ كَذا» حِينَ يَأتي الأمرَ على غَيرِ عادَتِه. والسُّؤالُ يَفترِضُ سابِقَةً مَعروفَة، فقد كانَت الأرضُ مَوضِعَ ثَباتٍ ووَطءٍ يَنزِلُ ولا يَسأَل، ثُمَّ خَرَجَت عَن سابِقَتِها، فخَرَجَ السُّؤال.

وفيها أيضاً نَبرَةُ المَفجوع، فـ«ما لَها» هي العِبارَةُ نَفسُها التي يَقولُها الواقِفُ على المُصابِ يَطلُبُ مَن يُخبِرُه، والإنسانُ واقِفٌ عند بابِ ما لا يَعرِف، والأرضُ التي حَمَلَتهُ صارَت مَوقِفَه. وفي هذا تَهَكُّمٌ خَفيّ، فمَن لم يَسأَل عَنها زَمَنَ الثَّباتِ يَسأَلُ عَنها زَمَنَ الانكِشاف. وقد كانَ النَّهيُ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فلَم يُؤخَذ، والسُّؤالُ هُنا سُؤالُ مَن لم يَتَدَبَّر.

الإنسان وَالأُنسُ المُنكَسِر

و«الإنسانُ» في اللسانِ العَرَبيِّ من جِذرِ الأُنس، أي المَأنَسُ بمَحَلٍّ حَتّى تَصيرَ غَيريّتُه ثانيَ طبيعة. وقد أَنِسَ الإنسانُ بالأرضِ، فما كانَ يَلتَفِتُ إلى ثَباتِها، لأنَّ الثَّباتَ لا يُلفَتُ إليه، حَتّى زالَ، والأُنسُ الذي أَعمى السُّؤالَ يُولِدُ انكِشافُه السُّؤال.

والسُّؤالُ نِعمَةٌ في طَريقِها، فالقَلبُ الذي ما سَأَلَ في الرَّخاءِ يُعطى سُؤالاً في الشِّدَّة. غَيرَ أنَّ السُّؤالَ مَتى جاءَ في يَومِ الحِسابِ يُجابُ بإخبارٍ مَفروضٍ يَأتي من تَحتِه، دونَ صاحِبِه: تُحَدِّثُ أَخبارَها.


حَصيلة

كَلِمَةٌ واحِدةٌ تَكشِفُ كلَّ شَيء: «ما لَها»، وهي طَريقةُ العَرَبِ في السُّؤالِ عمَّا خالَفَ المَألوف. و«الإنسان» (أ-ن-س) مُعَرَّفٌ بأل، فهو الجِنسُ كلُّه، والجِذرُ يَعني الأُنسَ بِمَكانٍ حَتّى تُنسى غَيريَّتُه. وقَد أَنِسَ الإنسانُ بِالأرضِ زَماناً طَويلاً، وعاشَ علَيها كلَّ يَومٍ بِلا سُؤال، ثُمَّ تَهتَزّ، فيَنكَسِرُ الأُنسُ ويَنطِقُ السُّؤال. والفِعلُ «قالَ» في الماضي، والسورةُ تَنقُلُ بِه القارئَ إلى ذَلِكَ اليَومِ كأنَّه فيه. وفي السُّؤالِ اعتِرافٌ ضِمنيّ مَعناه: كانَت لها عادَةٌ وقَد ألِفتُها، ومَن لَم يَسأَل عَنها زَمَنَ الثَّباتِ يَسأَلُ عَنها زَمَنَ الانكِشاف.